فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 616

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْجُلُوسِ (الْمَجْلِسُ) وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ: مَوْضِعُ الْجُلُوسِ وَبِفَتْحِ اللَّامِ الْمَصْدَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ هُنَا بِالْكَسْرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ فِي الْمَكَانِ الْخَالِي، أَيَّ مَكَانٍ كَانَ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْمَكَانِ بِالْمَكِينِ أَوْ لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ الصَّدَارَةَ بِنَاءً عَلَى التَّوَاضُعِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ) أَيِ: الْجُلُوسِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْمَجْلِسِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا.

إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَإِنْ وُسِّعَ لَهُ فَلْيَجْلِسْ وَإِلَّا فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَوْسَعِ مَكَانٍ يَرَاهُ فَلْيَجْلِسْ فِيهِ (يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ) أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مُجَالِسِيهِ (بِنَصِيبِهِ) أَيْ: بِحَظِّهِ، وَالْبَاءُ دَخَلَتْ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي مِنْ بَابِ أَعْطَيْتَ تَأْكِيدًا وَقِيلَ إِنَّهُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَجُوِّزَ أَنَّ الْمَفْعُولَ مُقَدَّرٌ، وَقَوْلُهُ بِنَصِيبِهِ صِفَتُهُ أَيْ: شَيْئًا بِقَدْرِ نَصِيبِهِ وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ؛ لِأَنَّ (كُلَّ) إِذَا أُضِيفَ إِلَى جَمْعٍ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجَمْعِ، وَأَبْعَدَ الْحَنَفِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَالضَّمِيرُ فِي نَصِيبِهِ لَيْسَ لِلْكُلِّ وَلَا لِجُلَسَائِهِ بَلْ لِمَا يُفْهَمُ ضِمْنًا فَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِمُ: التَّرْتِيبُ جَعْلُ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَرْتَبَتِهِ وَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ انْتَهَى، وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى (لَا يَحْسَبُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهِ وَبِهِمَا قُرِئَ فِي السَّبْعَةِ أَيْ: لَا يَظُنُّ (جَلِيسُهُ) أَيْ: مُجَالِسُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِضَافَةُ لِلْجِنْسِ (أَنَّ أَحَدًا) أَيْ: مِنْ أَمْثَالِهِ (أَكْرَمُ عَلَيْهِ) عَلَيْهِ السَّلَامُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ نَفْسِهِ (مَنْ جَالَسَهُ) أَيْ: جَلَسَ مَعَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَمَنْ جَالَسَهُ بِالْفَاءِ (أَوْ فَاوَضَهُ) أَيْ: رَاجَعَهُ (فِي حَاجَةٍ) وَ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَأَبْعَدَ الْحَنَفِيُّ فِي تَجْوِيزِهَا لِلشَّكِّ (صَابَرَهُ) أَيْ: غَلَبَهُ فِي الصَّبْرِ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَمْ تَجِئْ لِلْغَلَبَةِ بَلْ مُجَرَّدَةً، نَعَمِ الْمُفَاعَلَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُغَالَبَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَالْمَعْنَى: بَالَغَ فِي الصَّبْرِ مَعَهُ وَعَلَى مَا يَصْدُرُ عَنْهُ حَيْثُ لَا يُبَادِرُ بِالْقِيَامِ وَلَا يَقْطَعُ لَهُ الْكَلَامَ بَلْ يَسْتَمِرُّ مَعَهُ (حَتَّى يَكُونَ هُوَ) أَيِ: الْمُجَالِسُ أَوِ الْمُفَاوِضُ (الْمُنْصَرِفَ) أَيْ: عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ مَعَ ضَمِيرِ الْفَصْلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِجَالِسِهِ، وَأَمَّا فَاوَضَهُ فَالْمُرَادُ بِمُصَابَرَتِهِ فِيهِ أَنَّهُ يَصْبِرُ لِمُفَاوَضَتِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ كَلَامُهُ أَقُولُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كَمَالِ خُلُقِهِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ يُصَابِرُهُ أَيْضًا حَتَّى يَنْصَرِفَ لِاحْتِمَالِ عُرُوضِ حَاجَةٍ أُخْرَى لَهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَسَبَقَ تَخْفِيفُهَا أَيْ: لَمْ يَصْرِفْهُ (إِلَّا بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْحَاجَةِ عَيْنِهَا (أَوْ بِمَيْسُورٍ) أَيْ: حَسَنٍ لَا بِمَعْسُورٍ خَشِنٍ (مِنَ الْقَوْلِ) أَيْ: بِالْوَعْدِ أَوْ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِالرَّهْبَةِ عَنِ الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةِ فِي الْعُقْبَى، وَهَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت