أَهَرَاقَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا، وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهَا، وَفِي أُخْرَى هَرَاقَ بِلَا هَمْزٍ أَيْ: أَرَاقَ وَصَبَّ (دَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ شَجَّةٍ شَجَّهَا لِمُشْرِكٍ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الِاسْتِخْفَاءِ، وَكَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِصَلَاتِهِمْ فِي الشِّعَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي نَفَرٍ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مُشْرِكُونَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَعَابُوهُمْ وَاشْتَدَّ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمْ فَضَرَبَ سَعْدٌ رَجُلًا مِنْهُمْ بَلَحَى بِعِيرٍ فَشَجَّهُ فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ أُرِيقَ فِي الْإِسْلَامِ (وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ) أَوْ مِنَ الْعَرَبِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُقَالَ إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ (رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ مِيرَكُ: ذَكَرَ أَكْثَرُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي أَنَّ أَوَّلَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَبْوَاءُ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدِمِهِ الْمَدِينَةَ يُرِيدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَرَوَى ابْنُ عَائِذٍ فِي مَغَازِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَلَغَ الْأَبْوَاءَ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ أَيِ ابْنَ الْمُطَّلِبِ وَعَقَدَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ لِوَاءٍ، وَهُوَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ فِي سِتِّينَ رَجُلًا، أَيْ: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَلَقُوا جَمْعًا أَيْ: كَثِيرًا مِنْ قُرَيْشٍ قِيلَ أَمِيرُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ، فَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: فَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَالْأَبْوَاءُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ قَرْيَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ مَوْضِعٌ، وَفِي النِّهَايَةِ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَعِنْدَهُ بَلَدٌ يُنْسَبُ إِلَيْهِ انْتَهَى.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَلَا يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْقِتَالِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلَا يُنَافِي رَمْيَ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبٍ (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أَيْ: أَبْصَرْتُ نَفْسِي (أَغْزُ وَفِي الْعِصَابَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَكَذَا الْعُصْبَةُ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا (مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا نَأْكُلُ) أَيْ: شَيْئًا (الْأَوْرَاقَ الشَّجَرَ وَالْحُبْلَةَ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ ثَمَرَةُ السَّمُرَةِ يُشْبِهُ اللُّوبِيَا، وَقِيلَ ثَمَرَةُ الْعَضَاةِ، وَالْعَضَاةُ كُلُّ شَجَرٍ يَعْظُمُ وَلَهُ شَوْكٌ، وَالسَّمُرُ نَوْعٌ مِنْهُ، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ مَجْرُورَةٌ (حَتَّى أَنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ وَالْبَعِيرُ) يُرِيدُ أَنَّ فَضَلَاتِنَا لِعَدَمِ الْغِذَاءِ الْمَعْرُوفِ وَالطَّعَامِ الْمَأْلُوفِ يُشْبِهُ أَرْوَاثَهُمَا لِيَبَسِهِمَا، وَهَذَا كَانَ فِي غَزْوَةِ الْخَبَطِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَأَمِيرُهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ، زَوَّدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِرَابَ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِيهِمْ حَفْنَةً حَفْنَةً، ثُمَّ قَلَّلَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارَ يُعْطِيهِمْ تَمْرَةً تَمْرَةً، ثُمَّ أَكَلُوا الْخَبَطَ حَتَّى صَارَ أَشْدَاقُهُمْ كَأَشْدَاقِ الْإِبِلِ، ثُمَّ أَلْقَى إِلَيْهِمُ الْبَحْرُ سَمَكَةً عَظِيمَةً جِدًّا فَأَكَلُوا مِنْهَا شَهْرًا أَوْ نِصْفَهُ، وَقَدْ وُضِعَ ضِلْعٌ مِنْهَا فَدَخَلَ تَحْتَهُ بَعِيرٌ بِرَاكِبِهِ، وَاسْمُهَا الْعَنْبَرُ، وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ، أَيْ: لِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سَعْدٌ، فِي غَزَاةٍ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْحُبْلَةُ... الْحَدِيثَ، فَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَعُنْوَانِ الْبَابِ ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ مَعَ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَيْضًا دَلَالَةٌ مِنْ حَيْثُ أَنَّ ضِيقَ عَيْشِ أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى ضِيقِ عَيْشِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسِعًا