وقولُ عائِشَةَ رَضيَ اللهُ عَنْهَا: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ: هوَ استِنكَارٌ لِسُؤالِها هذا؟ والحَرُورِيّةُ فِرقَةٌ مِن الخَوارِجِ مَنسُوبة إلى بَلدَةٍ تُسَمَّى (حَرُوْرَاء) وهي بَلْدَةٌ قَريبَةٌ مِنَ الكُوفَةِ، كَانَ أَوَّلُ خُرُوجِهِم مِنها، وكَانَ عِندَهُم تَنَطُعٌ وتَشَدُّد [1] ، وَبَعضُهم كَانَ يُوجِبُ عَلى الحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلاةِ الفَائِتَةِ زَمَن الحَيضْ، خِلافًا للأَحَادِيثِ والإِجمْاعِ؛ [2] ولذلك سَأَلَتهَا عَائِشَةُ بهذه الصِّيغَةِ الاستِنكَارِيَّة، أيْ: هَلْ أَنْتِ مِنهُم؟
الفوائد والأحكام:
الأول: تَحرِيمُ التَّنَطُّعِ والغُلُوِ في الدِّين، ووجُوبُ الوُقُوفِ عِندَ النُّصُوصِ والعَمَلِ بها، والأَخذِ بِرُخَصِ الله تَعَالى التي رَخَّصَهَا لِعِبَادِهِ، وكَما أَنَّ الغُلُوَ مَذْمُومٌ، فَالتَفَلُّتُ من الدّينِ مَذمُومٌ أيْضًا، والخِيَارُ في ذلك الوَسَطُ، وهوَ الأَخذُ بالنُّصُوصِ كُلِّها.
الثاني: مَشرُوعيَّةُ الإِنكَارِ على مَن تَشَدَّدَ في الدِّين بِالأُسلوبِ المنُاسِبِ الَّذي يُحقِقُ المقصُودَ ولا يَترتَّبُ عَليهِ مَفَاسِدُ أَعْظَم.
الثالث: أَنَّهُ يَنبَغِي للسَّائلِ إذا ظَنَّ بِه المُفتِي تَعَنُتًا بِسَببِ سُوءِ مَسْأَلَتِه، أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ مُسْتَرشِدٌ لا مُتَعَنِّت، كما قَالَتْ مُعَاذةُ: «لَستُ بِحَرُورِيةٍ ولكنِّي أَسْأَل» وحِينَئذٍ يَجبُ على المُفْتِي إِجَابَتهُ بالدَّليلِ الَّذي يُزيلُ الإِشْكَال، كَما فَعَلَتْ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنْهَا.
(1) انظر: فتح الباري (1/ 422) .
(2) انظر: المغني (1/ 188) وحاشية السندي على سنن النسائي (4/ 191) وعمدة القاري (3/ 300) .