الصفحة 108 من 209

وهذا الكلام البليغ دعوة إلى التنافس في الخير، والتسابق في افتتاح مشروعاته النافعة، كقطار الرحمة، ومعونة الشتاء، وأشباه ذلك، وهو تحذير كذلك لأولئك الذين ينشئون التقاليد السمجة ويعقدون بها شئون الجماعة، ويتركون من بعدهم يضطرب في شرورها ومتاعبها . * * * لكن الإنسان مجبول على حب المال والحرص على اقتنائه، يضرب في مناكب الأرض وللأثرة في نفسه إيحاء شديد، أكثر تفكيره في نفسه وأقله في الآخرين . لو أنه أوتى ما في الأرض جميعا، بل لو أنه امتلك خزائن الرحمة العليا لما طوعت له نفسه أن تنفق منها بسعة، ولقامت له من طبيعته الضيقة علل شتى تضع في يديه الأغلال: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق و كان الإنسان قتورا) . وقد عد الإسلام هذا الشعور من النزعات الخسيسة التى يجب أن تُخاصم بعُنف، وأن تقاوم دسائسها بيقظة ونشاط، وبين أن الفوز بخيرى الدنيا والآخرة لا يحرزه إلا من نجح في قمع دوافع البخل في نفسه حتى عودها التكرم والسخاء . (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) . إن الأموال المستخفية في الخزائن، المختبئ فيها حق المسكين والبائس، شر جسيم على صاحبها في الدنيا والآخرة، إنها أشبه شىء بالثعابين الكامنة في جحورها كأنها رصيد الأذى للناس، بل إن الإسلام أبان أنها تتحول فعلا إلى حيات قد أمرقت واحتدفت أنيابها، تطارد صاحبها لتقضم يده التى غلها الشح .".. . ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه ، فإذا فر منه يناديه ، خذ كنزك الذى خبأت ، فأنا عنه غنى فإذا رأى أنه لابد له منه سلك يده في فمه ، فيقضمها قضم الفحل". ص _112

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت