الصفحة 109 من 209

وقد أخذ الإسلام يفهم الإنسان بالحسنى والإقناع أن محبته الشديدة لماله قد تورده المتالف، وأنه لو فكر حقيقة ما يملك وفى عاقبته معه لرأى السماحة أفضل من الأثرة، والعطاء خيرا من البخل ."يقول العبد: مالى مالى: وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو أعطى فأقنى . وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس". وعجيب أن يشقى امرؤ في جمع ما يتركه لغيره، وإذا لم يستفد المسلم من ماله فيما يصلح معاشه ويحفظ معاده فمم يستفيد بعد ؟ . وقد أماط الرسول اللثام عن هذه الحقيقة فقال:"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر". ومع ذلك، فإن النبى عندما أعلن عن جمع الزكاة تحسس برفق مشاعر الحرص في الناس وتلطف في علاجها. فقال:"سيأتيكم ركيب مبغضون ـ يعنى جامعى الزكاة ـ فإذا جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليهم، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم، رضاهم وليدعوا لكم". ونجاح الإنسان في إزاحة عوائق البخل التى تعترض مشاعر الخير فيه هو في نظر الإسلام فضيلة كاملة، إذ المعروف أن المرء يشتد أمله في الحياة، وتتوثق أواصره بها عندما يكون صحيح البدن، طامحا في المستقبل، يقتصد في نفقته ويضاعف في ثروته، ليطمئن إلى غد أرغد له ولذريته، فإذا غالب هذه العوامل كلها وبسط كفه في ماله، ينفق عن سعة ولا يخشى إقلالا ولا ضياعا، فهو يفعل الخير العظيم . جاء رجل إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، أى الصدقة أعظم أجرا ؟ قال:"أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا". * * * ص _113

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت