وقد يسبق الظن إلى أن السخاء ينقص الثروة ويقرب من الفقر، ويسلب الرجل نعمة الطمأنينة في ظل ماله الممدود، وخيره المشهود، وهذا الظن من وساوس الشيطان التى يلقيها في نفوس القاترين الأدنياء . والحق أن الكرم طريق السعة، وأن السخاء سبب النماء، وأن الذى يجعل يديه ممرا لعطاء الله يظل مبسوط اليد بالنعمة، مكفول اليوم والغد بالغدق الدائم من رحمة الله وكرمه . وفى الحديث:"ثلاثة أقسم عليهن .. ما نقص مال عبد من صدقة ، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها ، إلا زاده الله بها عزا ، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر". فليستمسك الإنسان بعُرا السماحة، وليسارع إلى سداد ما يلقاه من ثغرات، ولينظر إلى المحتاجين الذين يقصدونه نظرته إلى أسباب التجارة الرابحة . إن بذل اليوم القليل فسيرجع غدا أو بعد غد بالكثير .. وقد اعتبر الله العطاء الجميل قرضا حسنا، لا يرده لصاحبه مثلا أو مثلين بل يرده أضعافا مضاعفة، وأغرى العبد بالإنفاق، فكشف له أن نفقته على غيره وسيلة جُلى ليتولى الله الإغداق عليه من خزائنه التى لا يلحقها نفاد . وفى الحديث عن الله تبارك وتعالى:"يا عبدى أنفق أنفق عليك، يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما بيده، وكان عرشة على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع". وقال عز وجل: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) . إن المنفقين هم ـ على السراء والضراء ـ بعين الله، وفى كنفه، تصلى عليهم الملائكة ويرتقب لهم المزيد، أما الكانزون فلا يتوقع لهم إلا الضياع. وهل يخلدون مع المال أو يخلد معهم المال؟ إن المال عارية انتقل إلينا من غيرنا، وسينتقل منا إلى غيرنا، فلم التشبث به والتفانى فيه؟ إن كل ما يتعلق البشر به من حطام الدنيا سوف يدعونه لوارث السموات والأرض، وسينقلون إلى ربهم عراة، لا مال ولا جاه كما خُلقوا أول مرة، وسيطوقون ما بخلوا