ومن حياء الإنسان مع الناس أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم، وأن يؤتى كل ذى فضل فضله. فللغلام مع من يكبرونه، وللتلميذ مع من يعلمونه مسلك يقوم على التأدب والتقديم ؛ فلا يسوغ أن يرفع فوقهم صوته، ولا أن يجعل أمامهم خطوة: وفى الحديث:"تواضعوا لمن تًعلمون منه".. وفى الحديث كذلك:"اللهم لا يدركنى زمان لا يتبع فيه العليم ، ولا يستحيا فيه الحليم". وعن عبد الله بن يسر: لقد سمعت حديثا منذ زمان:"إذا كنت في قوم فتصفحت وجوههم فلم تر فيهم رجلا يهاب في الله عز وجل ، فاعلم أن الأمر قد رق !!". وليس الحياء جبنا، فإن الرجل الخجول قد يفضل أن يريق دمه على أن يريق ماء وجهه، وتلك هى الشجاعة في أعلى صورها . قد يكون في الحياء شيء من التخوف، بيد أنه تخوف الرجل الفاضل على مكارمه ومحامده أن تذهب ببهائها الأوضاع المحرجة. وهذا التخوف يقارن الجراءة في مواطنها المحمودة . فعندما نكص اليهود قديما عن محاربة الجبارين النازلين بالأرض المقدسة (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) . فهؤلاء الذين يتقون الله ويخافون العار ويستحيون من الفرار، هم الذين لو وقع قتال لقادوا الهجوم وقربوا الفتح !! ولا شك أن الحياء الكامل يسبقه استعداد فطرى ممهد، فإن هناك طبائع تكاد الصفاقة تكون لازمة لها، في الوقت الذى ترى فيه بعض الناس شديد الخجل مرهف الإحساس إلى حد بعيد. لكن الخجل، مع أنه العنصر البارز في الحياء، يقع في الخير والشر، وقد يجر صاحبه إلى ورطات سيئة. أما الحياء فلا يكون إلا في الحدود المشروعة. فالذى يتهيب تفريع المبطلين لا يعتبر حييا ! إن الحياء لا يكون تجاه الباطل، ولا موضع له مع الناس إذا ضلوا، ولا موضع له في السلوك عندما يقف المرء ص _153