موقفا يناصر فيه الحق.. وقد عاب المشركون على الإسلام أنه حقر الأصنام، وفضح عجزها عن خلق ذبابة، بل عن حماية نفسها لو هاجمتها ذبابة، وقالوا: إنه ليس من الحياء أن تهاجم آلهتهم بهذا الأسلوب.. فنزل قوله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) . فإبراز الأصنام في هذه الصورة من العجز والضعة حق: (والله لا يستحيي من الحق) وفى سبيل إحقاق الحق لا يتهيب المسلم أحدا ولا يخشى بأسا . والحياء في أسمى منازله وأكرمها يكون من الله عز وجل، فنحن نطعم من خيره ونتنفس في جوه وندرج على أرضه، ونستظل بسمائه. والإنسان بإزاء النعمة الصغيرة من مثله يخزى أن يقدم إلى صاحبها إساءة، فكيف لا يوجل الناس من الإساءة إلى ربهم، الذى تغمرهم آلاؤه من المهد إلى اللحد، والى ما بعد ذلك من خلود طويل ؟ إن حق الله على عباده عظيم، ولو قدروه حق قدره لسارعوا إلى الخيرات يفعلونها من تلقاء أنفسهم، ولباعدوا عن السيئات خجلا من مقابلة الخير المحض، بالجهود والخسة . عن ابن مسعود: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"استحيوا من الله حق الحياء، قلنا: إنا نستحيى من الله يا رسول الله- والحمد لله- قال: ليس ذلك . . الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى.. ومن أراد ترك زينة الحياة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء". وهذه العظة، ويقال إنها لابن مسعود، تستوعب كثيرا من آداب الإسلام ومناهج الفضيلة، فإن على المسلم تنزيه لسانه أن يخوض في باطل، وبصره أن يرمُق عورة أو ينظر شهوة، وأذنه أن تسترق سرا أو تستكشف خبئا. وعليه أن يفطم بطنه عن ص _154