الإخاء ليست هناك دواع معقولة تحمل الناس على أن يعيشوا أشتاتا متنافرين . بل إن الدواعى القائمة على المنطق الحق والعاطفة السليمة تعطف البشر بعضهم على البعض، وتمهد لهم مجتمعا متكافلا تسوده المحبة، ويمتد به الأمان على ظهر الأرض. والله عز وجل رد أنساب الناس وأجناسهم إلى أبوين اثنين، ليجعل من هذه الرحم الماسة ملتقى تتشابك عنده الصلات وتستوثق . (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) . فالتعارف ـ لا التنافر ـ أساس العلائق بين البشر، وقد تطرأ عوائق تمنع هذا التعارف الواجب من المضى في مجراه، وإمداد الحياة بآثاره الصالحة. وفى زحام البشر على موارد الرزق، وفى اختلافهم على فهم الحق وتحديد الخير قد يثور نزاع، ويقع صدام، بيد أن هذه الأحداث السيئة لا ينبغى أن تنسى الحكمة المنشودة من خلق الناس وتعمير الأرض بجهودهم المتناسقة . وكل رابطة توطد هذا التعارف وتزيح من طريقه العوائق فهى رابطة يجب تدعيمها، والانتفاع بخصائصه، وليس الإسلام رابطة تجمع بين عدد قل أو كثر من الناس فحسب، ولكنه جملة الحقائق التى تقر الأوضاع الصحيحة بين الناس وربهم، ثم بين الناس أجمعين . ومن ثم فأصحاب الإسلام وحملة رسالته يجب أن يستشعروا جلال العقيدة التى شرح الله بها صدورهم، وجمع عليها أمرهم، وأن يولوا التعارف عليها ما هو جدير به من عناية وإعزاز. إنه تعارف يجدد ما درس من قرابة مشتركة بين الخلق، ويؤكد الأبوة المادية المنتهية إلى آدم بأبوة روحية ترجع إلى تعاليم الأديان الملخصة في رسالة الإسلام، وبذلك يصير الدين الخالص أساس أخوة وثيقة العرى، تؤلف بين أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها، وتجعل منهم ـ على اختلاف الأمكنة والأزمنة ـ وحدة راسخة سامقة البناء، لا تنال منها العواصف الهوج . وهذه الأخوة هى روح الإيمان الحى، ولباب المشاعر الرقيقة التى يكنها المسلم