منه، ومن حق الحائر أن يُرشد لا أن يُضحك عليه. وإذا وجدت بشخص عاهة أو عرضت له سيئة، فآخر ما يتوقع من المسلم أن يجعل ذلك مثار تندره واستهزائه: ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ) . وعن الحسن:"إن المستهزئين بالناس يُفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة فيقال له هلم . فيجيء بكربه وغمه ، فإذا جاء أغلق دونه . ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم . فيجيء بكربه وغمه ، فإذا جاء أغلق دونه . فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة ، فيقال له: هلم .. فما يأتيه من الإياس". ذلك جزاء الساخرين، وهى عقوبة من جنس الذنب المقترف، كأنها توبيخ للمستهزئين وتذكير لهم بما كانوا يعملون . ومما اتخذه الإسلام لصيانة الأخوة العامة، ومحو الفروق المصطنعة، توكيد التكافؤ في الدم والتساوى في الحق وإشعار العامة والخاصة بأن التفاخر بالأنساب باطل، لأن أبوة آدم لفت أعقابه كلهم في شعار فذ، فما يفضل أحد صنوه إلا بميزة يحرزها لنفسه بكده وجده، فمن لا امتياز له بعمل جليل لم ينفعه أسلافه ولو كانوا ملوك الآخرة . عن أبى هريرة. قال رسول الله:"إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادى: ألا إنى جعلت نسبا ، وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم ، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان ابن فلان ، فاليوم أرفع نسبى وأضع نسبكم !!". وهذا مصداق قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) . والغريب أن عادة العرب في الاستعلاء بالنسب والازدهاء بالأبوة غلبت في مجتمعهم تعاليم الإسلام، فكان ذلك من أسباب الفتوق الخطيرة في ماضينا وحاضرنا . . ص _163