وقد لان الإسلام لاختلاف العقول في الفهم، ومنح المخطئ أجرا والمصيب أجرين، ثم وسع الجميع في كنفه الرحب، ما داموا مخلصين في طلب الحق، حراصا على معرفته والعمل به . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر". فأنت ترى رحمة الله لا ترتبط بنتائج الفكر قدر ارتباطها بصلاح القصد.. فلما يضيق ذرع البشر بما وسعه دين الله ؟ ولما القسوة بينهم والجفاء ! عندما أمر رسول الله المجاهدين الخارجين من المدينة إلا يصلوا العصر إلا فى"بنى قريظة"تأول بعضهم الأمر على أن ذلك ما لم يضع الوقت ! وصلى في الطريق ! وأمضى الآخرون النص على ظاهره فصلوا العصر في العتمة . . وقبل الرسول فهم الفريقين ، ثم صفهم بإزاء العدو جيشا واحدا . ذلك روح الإسلام في علاج الخلاف العلمى. وذلك ما لا محيص عنه عندما تستقيم الضمائر والعقول.. أما يوم يجعل الخلاف مصيدة للدنيا ينصبها العناد والبغض فقد ضاعت الدنيا وضاع قبلها الدين . قيل لأحد الشيوخ: أدرك المصلين في المسجد، يوشك أن يتقاتلوا، قال: علام ؟ قيل بعضهم يريد أن يصلى التراويح ثمانى ركعات، والبعض يريد صلاتها عشرين. قال: ثم ماذا ؟ قال هم في انتظار فتواك . قال: الفتوى أن يغلق المسجد فلا تصلى فيه تراويح ألبته، لأنها لا تعدو أن تكون نافلة ووحدة المسلمين فريضة، ولا قامت نافلة تهدم الفريضة !! إن الإخلاص لله والنصح للدين وللعامة، أبعد ما يكون عن الشغب الذى يحدث في أمثال هذه الشئون. وتمشيا مع تعاليم الإسلام في وقاية الأمة غوائل الشقاق، أفتى العلماء بأن تغيير المنكر لا يلزم إذا كان سيؤدى إلى مفسدة أعظم، فإن بقاء المنكر ضرر ووقوع هذه المفسدة ضرر أبلغ، فيرتكب أخف الضررين !! ألا ترى الطبيب لا يقدم على جراحة بالجسم إلا إذا رأى الجسم يطيق إجراءها ؟ فإذا رأى فيها خطرا على الحياة توقف ؛ ولو بقيت العلة . ص _169