الصفحة 166 من 209

وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبايع الأنصار"على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا". يعنى أن المرء الصالح ينبغى ألا يكترث لفقدان حظه من الدنيا، فإذا أهمل في إسناد منصب، أو بخس في تقدير راتب لم يملأ الآفاق صياحا وشغبا، فإن الغضب للدنيا على هذا النحو الشائن شيمة المنافقين الذين قال الله فيهم: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا و إن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) . ولو غلغلت النظر في كثير من الانقسامات لرأيت حب الدنيا، والأثرة العمياء تكمن وراء هذه الحزازات.. والاتحاد قوة.. وليس ذلك في شئون الناس فقط إنه قانون من قوانين الكون فالخيط الواهى إذا انضم إليه مثله أضحى حبلا متينا يجر الأثقال. وهذا العالم الكبير ما هو إلا جملة ذرات متحدة ! وقد شرح حكيم لأولاده هذا المعنى عند وفاته ليلقنهم درسا في الاتحاد، قدم إليهم حزمة من العصى قد اجتمعت عيدانها، فعجزوا عن كسرها، فلما انفك الرباط وتفرقت الأعواد كسرت واحدا واحدًا . تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا إن الشقاق يضعف الأمم القوية، ويميت الأم الضعيفة.. ولذلك جعل الله أول عظة للمسلمين ـ بعد ما انتصروا في معركة"بدر"ـ أن يوحدوا صفوفهم، ويجمعوا أمرهم. لما تطلعت النفوس للغنائم، تشتهى حظها وتتنافس على اقتسامها، نزل قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله و الرسول فاتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم و أطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين) . ثم أفهمهم أن الاتحاد في العمل لله هو طريق النصر المحقق والقوة المرهوبة: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) . ص _170

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت