الصفحة 167 من 209

وحذرهم من أن يسلكوا في التكالب على الدنيا، والحرص على غثائها مسلك الذين لا يرجون عند الله ثوابا، فقال: (و لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا و رئاء الناس و يصدون عن سبيل الله) . ثم تلقى المسلمون فى"أحد"لطمة موجعة أفقدتهم من رجالهم سبعين بطلا، وردتهم إلى المدينة وهم يعانون الأمرين من خزى الهزيمة وشماتة الكافرين . ولم ذلك ؟ مع أن إيمانهم بالله ودفاعهم عن الحق يرشحانهم للفوز المبين، ذلك لأنهم تنازعوا وانقسموا وعصوا أمر الله ورسوله . (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) . ولو عقل المسلمون أحوالهم في هذه المرحلة العصيبة من تاريخهم، لأحسوا بأن ما لحقهم من عار يعود إلى انحلال عُراهم وتفرق هواهم . إن الهجوم الصليبى المعاصر، والهجوم الصهيونى الذى جاء في أذياله.. لم ينجحا في ضعضعة الدولة الإسلامية وانتهاب خيرها، إلا عقب ما مهدا لذلك بتقسيم المسلمين شيعا منحلة واهنة، ودويلات متدابرة، يثور بينها النزاع وتتسع شقته لغير سبب.. وسياسة الغرب في احتلال الشرق وتسخيره تقوم على قاعدة"فرق تسد". إن الإسلام حريص على سلامة أمته وحفظ كيانها، وهو لذلك يطفئ بقوة بوادر الخلاف، ويهيب بالأفراد كافة أن يتكاتفوا على إخراج الأمة من ورطات الشقاق ومصايره السود."يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار". وأعداء الإسلام يودون أن يضعوا أيديهم على شخص واحد ليكون طرفا ناتئا يستمكنون منه، ويجذبون الأمة كلها عن طريقه ! فلا جرم أنه يستأصل هذا النتوء لينجى الجماعة كلها من أخطار بقائه، ولذلك يقول رسول الله:"ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يُفرق أمر هذه الأمة وهى جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان". والخروج على إجماع الأمة ـ وهذا عقابه في الدنيا ـ يدخل بعدئذ في حدود قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت