ومنزلة المقاطعة من أسلحة الكفاح الأخرى هى منزلة الاعتزال من أساليب الإصلاح الكثيرة. أى أنها مهرب العجزة عندما لا يجدون وسيلة غير الفرار بدينهم. فأما عند كثرة الوسائل التى يمكن بها إطفاء الفتن فالاعتزال، كما بينا، جريمة نكراء. وعلى ضوء هذا البيان تفهم قول رسول الله وقد سُئل: أى الناس أفضل يا رسول ، الله ؟ قال:"مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. قيل ثم من ؟ قال: رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه". ثم إن العزلة والاختلاط لا يمكن أن يكونا وصفين دائمين للإنسان. فليقسم المسلم وقته بين الخلوة النافعة والاختلاط الحسن، ليخرج من الحالين بما يصلح شأنه كله . * * * وعلى هذا الأساس نتخير الأصحاب، ونرغب في الصداقات أو نزهدها.. وأول شرائط الصحبة الكريمة أن تبرأ من الأغراض، وأن تخلص لوجه الحق، وأن تولد وتكبر في طريق الإيمان والإحسان. وهذا هو معنى الحب لله . إن الإنسان إذا رسخ في فؤاده اليقين، وخالطت بشاشة الإيمان قلبه، وأحس بحلاوته في مذاقه أصبح ينظر للأحياء قاطبة على ضوء العقيدة التى تمحض لها. فهو يحب لمبدأ، لا لشهوة، ويكره لمبدأ، لا لحرمان . وقد تتجمع القطعان على مورد عذب أو كدر، وقد يلتقى الناس على دنيا عارضة أو دائمة، وربما تأسست بينهم علاقات متينة، بيد إن هذا الضرب من التعارف والتواد لا يقاس بما ينشأ بين أصحاب المثل العليا من محبة وصفاء، وتعاون وتفان. ولذلك احتفى الإسلام بمشاعر الصداقة النقية ورغب المؤمنين في إخلاصها لله، وإبقائها لوجهه، وجعل لها من جميل المثوبة ما هى له أهل: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، قال الله عز وجل:"المتحابون بجلالى في ظل عرشى ، يوم لا ظل إلا ظلى"وعن عمر بن الخطاب قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن من عباد الله ناسا ، ما هو بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله ، قالوا: يا رسول الله ، فخبرنا: من"