والسر في هذا الحكم أن عبادة الجهال ـ كصداقتهم ـ قليلة الجدوى، وهم يضرون أنفسهم من حيث يريدون نفعها، ويؤذون أصدقاءهم من حيث يبغون راحتهم، وجهلة العبَّاد يستمسكون بالدين استمساكا شديدا، ويتعصبون له تعصبا ظاهرا. ولكنهم في ساعة رعونة وغباء يقفون منه الموقف الذى يلحق به الأذى والمعرة، ويجر عليه المتاعب الجمَّة، أما أولو العلم فإن بصيرتهم الذكية تحكم مسلكهم وتلهمهم الرشد، فلو قل عملهم كثر ما يصحبه من سداد وبصر . ولذلك يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد". ويقول:"فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم رجلا". وروى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"فضل العالم على العابد سبعون درجة ، ما بين كل درجتين حُضر الفرس سبعين عاما ، وذلك لأن الشيطان يبدع البدعة للناس فيبصرها العالم فينهى عنها . والعابد مقبل على عبادة ربه لا يتوجه لها ولا يعرفها". وعجز هذا الحديث يشبه أن يكون مدرجا من كلام الرواة تفسيرا لما تضمنه الحديث من حكم . ولما كان ضيق الأفق لا يدع للإيمان امتدادا، ولا للإحسان منفذا، قال الله عز وجل: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) . وبين أن الضمير الدافع إلى الخير، الوازع عن الشر، المراقب له، الحريص على مرضاته، هو ضمير العالم المستنير الخبير بربه . . (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) . * * * والعلم الذى يُقبل المسلم عليه، وتستفتح أبوابه بقوة، ويرحل لطلبه من أقصى المشارق والمغارب، ليس علما معينا محدود البداية والنهاية، فكل ما يوسع منادح النظر، ويزيح السدود أمام العقل النهم إلى المزيد من العرفان، وكل ما يوثق صلة الإنسان بالوجوه، ويفتح له آمادا أبعد من الكشف والإدراك. وكل ما يتيح له السيادة ص _201