والذكر المطرد اليقظ، ضرورة لازمة للوفاء، فمن أين لناسى العهد أن يفى به؟ لذلك ختمت آية العهد بعنصر التذكير: (وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) . فإذا ذكر المرء الموثق المأخوذ عليه، يجب أن ينضم إلى هذا الذكر عزم مشدد على إنفاذه. عزم يذلل الأهواء الجامحة، ويهون الصعاب العارضة، عزم يمضى في سبيل الوفاء مهما تجشم من مشاق، وغرم من تضحيات. وأقدار الرجال تتفاوت تفاوتا شاسعا في هذا المضمار، فإن ثمن الوفاء قد يكون فادحا، قد يكلف المال أو الحياة أو الأحبة. بيد أن هذه هى تكاليف المجد المنشود في الدنيا أو الآخرة. لولا المشقة ساد الناس كلهم الجودُ يُفقر والإقدام قتَّال ولقد استنكر القرآن الكريم على بعض الأفهام أن تطلب العُلا بالراحة، وأن ترقب الخير الكثير بالجهاد اليسير. (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) . وعندما يستجمع الإنسان الذهن الواعى، والقلب الكبير، فهو أهل الوفاء. * * * والعهود التى يرتبط المسلم بها درجات، فأعلاها مكانة، وأقدسها ذماما، العهد الأعظم، الذى بين العبد ورب العالمين. فإن الله خلق الإنسان بقدرته، ورباه بنعمته، وطلب منه أن يعرف هذه الحقيقة، وأن يعترف بها، وألا تشرد به المُغوياتُ، فيجهلها أو يجحدها. (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) . ص _052