وإذا كان هناك من البشر من لم يستمع إلى المرسلين ويستهد بما جاءوا به، فإن له من فطرته سائقا يحدوه إلى ربه، ويبصره بخالقه، مهما حفلت البيئة بصنوف الفساد، وضروب التخريف.. وهذا معنى الميثاق الذى أخذه الله على الناس كافة. (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون * وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون) . وليس هناك حوار كما يوهم ظاهر العبارات، وإنما هذا تصوير لاتجاه الفطرة السليمة إلى الله، وتعرفها عليه، وانتفاعها بالدلائل المبثوثة في الكون لتوحيده وتمجيده، وانفلاتها من التقاليد السفيهة التى تباعد عنها، أو تشرك به. وهذا الأسلوب شائع عن ألسنة العرب. ومنه المثل السائر:"قال الجدار للوتد: لِمَ تشقنى ! قال: سل من يدقنى!! فإن الذى ورائى ما خلانى ورأيى"!! ووفاء الإنسان بهذا العهد أساس كرامته في الدنيا، وسعادته في الأخرى. ومن سوء الظن بالله أن توفى له ثم تتوقع الشر منه. (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) . وقد كان رسول الله - وهو يدعو الناس إلى الإسلام - يبايع الوفود المقبلة عليه بتعاليم - يتخيرها من بين التعاليم الكثيرة التى حفل بها الدين - على حسب ما يرى من طاقتهم النفسية والعقلية. عن عوف بن مالك قال:"كنا عند النبى - تسعة أو ثمانية أو سبعة - فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا وقلنا: نبايعك يا رسول الله! قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وتصلوا الصلوات الخمس ، وتسمعوا وتطيعوا، وأسر كلمة خفية قال: ولا تسألوا الناس شيئا . ص _053"