قال عوف بن مالك:"فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا أن يناوله إياه"فانظر إلى الوفاء بالبيعة ودقة تنفيذها، وليس هذا إلا نصحا لكل طائفة بما تعتبر أحوج إليه، فالحاكم ينصح ألا يظلم، والتاجر ألا يغش، والموظف ألا يرتشى.. إلخ، وإلا فكل مسلم مكلف بالدين كله.. وقد ظهرت في بلاد الإسلام فرق تعطى عهودا خاصة، لا ينبغى الاكتراث بها، فهم كأدعياء الطب الذين يصفون الأدوية المزورة فلا تزيد المرضى إلا سقاما. وتعاليم الإسلام كل لا يتجزأ، والعمل بها واجب محكم، في كل زمان ومكان. * * * * وقد بايع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأنصار: على أن يجندوا أنفسهم وأموالهم لحماية دعوته، وحراسة رسالته، حتى يستطيع إبلاغها للعرب ومن وراءهم. والعهد الذى قطعه الأنصار على أنفسهم يًعد ألمع المواثيق في تاريخ العقائد وأدلها على التجرد لله، والفناء في الحق. وقد تم في ليلة رائعة من موسم الحج، وعاد الناس بعدها يعالجون شئونهم المختلفة، غير أن تبعات هذا العهد لزمت أصحابه، فقبلوها عن سماحة وطواعية. وقدموا دماءهم سهلة في معركة"بدر"وما أعقبها من قتال بين الإسلام والوثنية، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ في الأزمات العضوض ـ يعتمد على هذا الموثق لنصرة الدين وإعلاء كلمة الله، فلما انكشف المسلمون في الجولة الأولى من معركة"حنين"أهمل رسول الله الجموع الكثيرة التى دخلت ـ بعدُ ـ في الإسلام، وصاح بالأوفياء الذين بايعوه في العقبة ليلة الموسم ينقذوا الموقف. عن أنس قال: "لما كان يوم"حنين"أقبلت "هوازن"، و"غطفان"وغيرهم بذراريهم ونعمهم ومع رسول الله يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء فأدبروا عنه حتى بقى وحده..! ص _054"