فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئا، التفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار، فقالوا: لبيك يا رسول الله، نحن معك أبشر، ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار، فقالوا لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك... وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون وأصاب غنائم كثيرة، فقسمها بين المهاجرين والطلقاء، ولم يُعط الأنصار منها شيئا.. فقالوا: إذا كانت الشدة فنحن نُدعى ويعطى الغنائم غيرنا؟؟ فبلغه ذلك فجمعهم، وقال: يا معشر الأنصار، ما شىء بلغنى عنكم؟ فسكتوا، فقال: يا مشعر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله رضينا، فقال رسول الله: لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار والحق أن الرسالات الكبرى أحوج ما تكون إلى رجال على غرار الأنصار، يفتدون كلمتهم بأرواحهم وما يملكون، لا يشغلهم مأرب تافه، ولا تتبع نفسهم عرضا زائلا. ومسلك الرسول ـ معهم في توزيع الغنائم ـ قام على تقدير إيمانهم وإخلاصهم، فقد تألف الأعراب بالمال الذى يشتهون، حتى لا يضجروا من تكاليف الدين الذى اعتنقوه، ووكل الأنصار إلى ما يعرف فيهم من يقين راسخ. وقد قال في مثل هذه الحالات:"إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى مخافة أن يكبه الله في النار". * * * * ومن الوفاء المحمود أن يذكر الرجل ماضيه الذاهب لينتفع به في حاضره ومستقبله، فإن كان معسرا فأغناه الله، أو مريضا فشفاه الله، فليس يسوغ له أن يفصل بين أمسه ويومه بسور غليظ، ثم يزعم أنه ما كان قط فقيرا ولا مريضا، ويبنى على غروره بحاضره مسلكا، كله فظاظة وجحود. هذا نوع من الغدر ينتهى بصاحبة إلى النفاق، ربما انطرد به من رحمه الله فلم تتسع بعدئذ له. ص _055