وفى رواية:"من تُنُصِّلَ إليه فلم يَقبل لم يرد علىَّ الحوض". وبهذا الإرشاد المبين للطرفين جميعا يحارب الإسلام الأحقاد، ويقتل جرثومتها في المهد، ويرتقى بالمجتمع المؤمن إلى مستوى رفيع، من الصداقات المتبادلة، أو المعاملات العادلة. وقد اعتبر الإسلام من دلائل الصغار وخسة الطبيعة، أن يرسب الغل في أعماق النفس فلا يخرج منها، بل يظل يموج في جوانبها كما يموج البركان المكتوم. وكثير من أولئك الذين يحتبس الغل في أفئدتهم يتلمسون متنفسا له في وجوه من يقع معهم ؛ فلا يستريحون إلا إذا أرغوا وازبدوا، وآذوا وأفسدوا . روى عن ابن عباس أن رسول الله قال:"ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا: بلى، إن شئت يا رسول الله. قال: إن شراركم الذى ينزل وحدة، ويجلد عبده ويمنع رفده. أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى، إن شئت يا رسول الله، قال: من يبغض الناس! ويبغضونه. قال أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى، إن شئت يا رسول الله، قال: الذين لا يُقيلون عثرة، ولا يقبلون معذرة، ولا يغفرون ذنبا، قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: من لا يُرجى خيره ولا يؤمن شره". والأصناف التى أحصاها هذا الحديث، أمثلة لأطوار الحقد عندما تتضاعف علته وتفتضح سوأته، ولا غرو، فمن قديم أحس الناس، حتى في جاهليتهم، أن الحقد صفة الطبقات الدنيا من الخلق ! وأن ذوى المروءات يتنزهون عنه ! قال عنترة: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب * * * وهناك رذائل رهَّب الإسلام منها، وليس يفوت النظر القريب أن تعرف مصدرها الدفين . إنها على اختلاف مظاهرها، تعود إلى عملة واحدة هى الحقد . فالافتراء على الأبرياء جريمة، يدفع إليها الكره الشديد، ولما كان أثرها شديدا في تشويه الحقائق، وجرح المستورين، عدَّها الإسلام من أقبح الزور . ص _083