فأين فهمه لهذا الواقع؟ أين نظره؟ كلمته:"ليس الكفر الذي تذهبون إليه"، بماذا هي متعلقة؟ هل هي في الكفر الذي في الآية، هل هي في الكفر الذي تذهبون إليه، بحيث كل حكم بغير ما أنزل الله يكون من الكفر الأصغر؟! هل الآية هذه تدل على هذا؟
الآية تقول: كل حكم بغير ما أنزل الله هو كفر، وقد يدخل الفعل في الحكم، كما قال ابن حزم:"والفِعل حكم"، واضح الكلام؟
هذه هي طريقة العلماء، فابن عباس -رضي الله عنه- أجراهم على معنى ما يقولون، بأن ما فعلوه يدخل في الآية، لكن قال:"ليس الكفر الذي تذهبون إليه"، هذا أنتم تسمونه كفرًا، لكنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه، لأننا أمام واقعة ليست من الحكم في شيء، إلا في دخولها دخولًا جزئيا.
يعني أعطوني مثالًا واحدا يكون فيه علي بن أبي طالب جلس، فدخل عليه أقوام وحكم بغير ما أنزل الله؟!"حكم"بمعنى"قضى"، الحكم بمعناه الكلي، أين هي؟ أعطونا مثالًا!
نحن نتناقش في واقعة، وهي واقعة الخوارج مع علي، هل هي في مسائل تدخل في الحكم دخولًا جزئيًا أم دخولًا كليا؟ وهذا على فراضية أن ما فعله علي -رضي الله عنه- معصية، من باب التنزّل فقط.
فلما قال:"ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه"، هو حديث عن فعلهم، أنه يدخل في الآية ولكن ليس الدخول الذي يعنونه، وهذا لم أقله أنا، بل هو ما قاله الصحابة:"ذهبتم إلى الآيات التي أنزلت في الكافرين فأنزلتموها على المسلمين"، هل يجوز إنزالها على المسلمين؟ وجدنا أن الجواب: نعم، يجوز هذا، لكن بالطريقة التي يفهمها أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، مما فهمه ابن عباس، نحن نتعلم منهم، هذه لغة العرب الشريفة، وهذا فهم القرآن، وهذه طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذه هي القضية.
المسألة سهلة، وكل هذه الخصومة التي ترونها هي فقط تدور حول هذا المعنى، جاء البعض، وأراد أن يُلزم الآية إلزامًا كُليًا لواقعة ليس فيها هذا الإلزام من شيء، وهذه هي القضية.
ولذلك كل فعل يدخل في الحكم دخولًا أوليًّا يلحقه الحكم الكلي -وهو"الكافرون"-، وكل فعل يدخل دخولًا جزئيًّا يلحقه بمقداره من الحكم: كفر عالي، نازل، إلى آخره.
أظن أنها واضحة الآن، ويكفي إلى هنا.
وبارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرا، والحمد لله رب العالمين.