فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 809

فهذا هو الدرس التاسع والعشرون من دروس شرح (الموافقات) للإمام العلامة المحقق الأصولي أبي إسحاق الشاطبي -رحمة الله عليه-، وصلنا إلى المقدمة الثانية عشرة وقلنا بأن هذه المقدمة هي مقدمة مهمة لأنها تتعلق بطرق تحصيل العلم، وسنناقش الشيخ ونرى ما يقول، ونرى ما يقول غيره، وكيفية أخذ العلم عند سلفنا.

المقدمة الثانية عشرة:

"من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام."

وذلك أن الله خلق الإنسان لا يعلم شيئا، ثم علمه وبصره، وهداه طرق مصلحته في الحياة الدنيا؛ غير أن ما علمه من ذلك على ضربين:

ضرب منها ضروري، داخل عليه من غير علم من أين ولا كيف، بل هو مغروز فيه من أصل الخلقة، كالتقامه الثدي ومصه له عند خروجه من البطن إلى الدنيا -هذا من المحسوسات-، وكعلمه بوجوده، وأن النقيضين لا يجتمعان من جملة المعقولات.

وضرب منها بوساطة التعليم، شعر بذلك أو لا؛ كوجوه التصرفات الضرورية، نحو محاكاة الأصوات، والنطق بالكلمات، ومعرفة أسماء الأشياء في المحسوسات، وكالعلوم النظرية التي للعقل في تحصيلها مجال ونظر -في المعقولات"."

نحن قلنا سابقًا ونكرر بأن قواعد العلم التي تكلم عليها علماؤنا هي قواعد كونية، ليست خاصة بهذا الدين ولا بهذه الأمة، وهذه نقطة مهمة، ولذلك علماؤنا لما يتكلمون عن العلم بأُفقه الأعلى وتجلياته الكلية لا يذكرون العلم الذي يختص بهذه الأمة ولا قواعد العلم التي تختص بها الشريعة؛ إنما يتكلمون عن العلم الإنساني، وهذا يدل على أن علماءنا كانوا يرون أنفسهم قادة التاريخ وقادة العالم، فالمسلم لا يراقب محيطه فقط ولا يهتم فقط بأن يكون صغيرًا ضمن هذا المحيط حتى لو كانت هي دولة الإسلام، إنما يربى على أنه إنسان كوني، يراقب حركة الوجود، وبالتالي يفهم أنه ينبغي أن يقود هذا الوجود. والإنسان حين يكون كذلك؛ يبني حتى أصغر القضايا والأسماع على وفقه هو، على وفق رؤيته هو، ويصبح العالم كأنه غير موجود، فلما يقول ربنا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} ؛ كأن الوجود مربوط بمكة، فهو"أقصى"بالنسبة لمكة، كما هم يقولون: الشرق الأقصى والشرق الأدنى والشرق الأوسط -وهي أسماء استعمارية- بحسب رؤيتهم لأنفسهم أنهم مركز وأساس الوجود.

فعلماؤنا يتحدثون عن قواعد العلم الكوني، ولذلك الشيخ شاكر -رحمه الله-يقول في إحدى مقالاته بأن عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- عندما تكلم عن أساس اللغة إنما كان تكلم عن اللغة باعتبارها إنسانية وليس باعتبار اللغة العربية فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت