فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 809

وهذه تكلمنا عنها سابقًا لما قلنا أن أعظم إدراك عند الإنسان هو المحسوسات وليس المعقولات، فالمحسوسات هي التي ترتفع إلى درجة المعقولات، ويقول الجرجاني -رحمه الله- أن هذا خلاف ما عليه الإنسان الأول، فآدم بدأ بالعلم: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} ، أما بالنسبة لأولاد آدم؛ فيقول أن الإنسان يدرك المحسوسات أكثر من إدراكه المعقولات، وأن المعقولات تبنى على المحسوسات، ونحن الآن تبنى عقولنا على النماذج الباطلة، وتكون المحسوسات أوضح من الجبال أمامنا ثم يزعم زاعم أن الدين لا يهتم لها، وأن الدين هو الذي يقرر الحقيقة، وكأن الحقيقة الدينية تخالف الحقيقة الكونية! هذا مع أننا عرفنا أن الشرع حقٌّ بمطابقته للتكوين.

إذًا ما يقوله هنا الشاطبي -رحمه الله- إنما هو حديث عن كيفية حصول العلم لدى الإنسان، وهو يريد أن يقول بأن أعظم طرق العلم منفعةً والتي ينبغي أن تبقى في وجدان هذه الأمة هو أن يتلقى المرء العلم عن طريق الشيوخ المتحققين به كمالًا وتمامًا، ولا يجادل أحد بأن أفضل طرق العلم أن تثني ركبك عند العلماء، وهو ليشرح هذه النقطة؛ بدأ بكيفية حصول العلم لدى الإنسان، فقال بأن أولًا هناك ما هو مغروز في فطرته وغريزته، وهي حركات لا يختلف فيها الإنسان عن الحيوان: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} ، {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} : قدر أي صنع الوجود على وفق قدر، ثم هدى، {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} : إذًا الأصل هو التكوين، فالدين لا يأتي بشيء بخلاف واقع الوجود، وهذا قلناه في قضية التحسين والتقبيح العقلي بأن الشرع لا يأتي بمحالات العقول ولكنه يأتي بغير ما تعلمه العقول.

"ضرب منها ضروري، داخل عليه من غير علم من أين ولا كيف، بل هو مغروز فيه من أصل الخلقة، كالتقامه الثدي ومصه له عند خروجه من البطن إلى الدنيا -هذا من المحسوسات، وكعلمه بوجوده، وأن النقيضين لا يجتمعان من جملة المعقولات":

إذًا هناك علم يتلقاه الإنسان عن طريقة فطرة وجوده، عن طريق الغرز الإلهي، وهذه قضايا إنسانية ليس فيها تميز بين إنسان وإنسان ولكن قد يتميز قدرًا، كإنسان يسمع وإنسان يخرج من بطن أمه لا يسمع، فهذه قضايا مركبة فطرة لا يعاب ولا يمدح فيها الإنسان، بل هي عطاء إلهي، وفتنة للناس. وتنوع الخلق القدري يدل على قدرة الله المطلقة، أما لماذا يعطي الله ويمنع؛ ف: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} ، لا ندري، فقط نعرف أن الله -عز وجل- جعل المريض والأعمى من أجل أن يعلم البصير حكمة الله ورحمته، وحتى يبتلي صاحب البلاء بالصبر.

فالشيخ يرصد أولًا كيفية حصول العلم مطلقًا.

"وضرب منها بوساطة التعليم، شعر بذلك أو لا؛ كوجوه التصرفات الضرورية، نحو محاكاة الأصوات، والنطق بالكلمات، ومعرفة أسماء الأشياء في المحسوسات، وكالعلوم النظرية التي للعقل في تحصيلها مجال ونظر -في المعقولات":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت