فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 809

لكن هل هذا من قبيل المدح أم من قبيل الحقيقة؟ بمعنى: هل فاتهم شيء عظيم؟ الجواب: نعم، بلا شك، فقد تميز الصحابة عن غيرهم برؤيتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الرؤية أحدثت هذه الفضيلة العظيمة، فحين يرى المرء العالم يحصل له الفضل العظيم برؤيته والجلوس معه إلى غير ذلك.

"واعتمادهم على ما يرد منه، كائنا ما كان، وعلى أي وجه صدر؛ فهم فهموا مغزى ما أراد به أولا حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض، والحكمة التي لا ينكسر قانونها، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها".

أنا أحس بألم الشيخ الشاطبي في الإبانة عن هذه المعاني، انظر إليه! يقول:"حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض"، هو يريد أن يقول أن العلم حالة عقلية -يفهمه المرء ويأخذه- واليقين حالة نفسية، واليقين على العلم يحصل بالمصاحبة، وذلك أنهم لَمَّا رأَوْا يقين الْمُبَلِّغ على ما يبلغ؛ اصطبغ اليقين في قلوبهم بهذا النظر. فكما أن العلم العقلي تعلُّمٌ، فاليقين -أي الحالة النفسية- تعلمٌ يحصل برؤية يقين المبلِّغ؛ ولذلك عندما كانوا يرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما عليه من اليقين فيما يبلِّغ؛ يرثون هذا، يتعلمون اليقين. فأنت لما تقرأ كتابًا؛ تأخذ العلم، لكنك تحتاج أن تتعلم اليقين، وتتعلم صدق هذا العلم، وكيف يكون في شخص ما، وكيف يدفع المبلِّغُ ثمن كلمته، هذا هو تعلم اليقين، وهو الذي لا يحصل إلا بالنظر والمجالسة.

هل هناك تحويلة؟ الجواب: نعم، لكنها ضعيفة، ولا تسد مكان الأصل على وجه الكمال، وهي قراءة سيرة العلماء، ولذلك كان من نصائح علمائنا في حصول اليقين على العلم قراءة تراجم العلماء، فنقرأ سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونقرأ سيرة الصحابة، ونقرأ سيرة العلماء، فهذه"تقرب"لك المثال، لكن الذي جلس مع ابن حجر ليس كمن قرأ له، ومن قرأ لابن تيمية ليس كمن جلس معه؟ ومن جلس مع أحمد ليس كمن قرأ له؟ وهكذا إلى حبيبنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فاليقين علم يحصل بالنظر والمجالسة والملازمة.

فقول الشيخ:"حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض"لا يعني به المرتبة العقلية في صدق العلم أو في صدق الخبر من عدمه، بل يتحدث عن اليقين الذي يحصل من خلال رؤية مثال.

"حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض، والحكمة التي لا ينكسر قانونها، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها":

هذه كلمة عظيمة يجب أن نقف عندها لأنها حديث نفس، وحديث النفس قفوا عنده أينما وجدتوه! إذ أعظم شيء في القرآن هو أنه يكشف لنا النفوس، وهذا الذي أنا أردته في (صبغة الله الصمد) في قضية قراءة مغازي النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن؛ أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت