فهرس الكتاب
وجاء الشارع وبين متى حدث إلغاء كون الضرب في الأرض مطلقًا سفرًا، ولذلك المشي في داخل المدينة ليس سفرًا، مع أنه ضرب في الأرض.
الآن هنا تأتي المسألة: فرد ابن القيم -وهو قول ابن حزم وأخذه بعده ابن القيم وشيخ الإسلام والمعاصرين وغيرهم- هو:
قالوا: أكثر مدة جلسها النبي - صلى الله عليه وسلم - هي في مكة وكانت أربعة أيام، دخل ظهرًا وأراد أن يخرج يوم الجمعة إلى مزدلفة (يوم التروية) ؛ فمكث واحدًا وعشرين ركعة في مكان واحد، فقالوا: ما أدراكم أنه لو جلس رسول الله أكثر من ذلك فأنه كان سيتم؟ فزعموا بهذا أن الأصل عندهم أن البقاء في المكان هو سفر وليست إقامة! واللغة تقتضي أن مجرد خروج المرء من بيته سفر، فجاء فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدلل لنا ما هو الذي يخرج في الضرب في الأرض من تسميته سفرا، فهو استثناء، وهم زعموا أن مجرد الخروج من البيت إلى بلدة أخرى -ولو مكث العمر كله- سفر! من أين جئتم بهذا التقييم؟؟ فقلبوا صورة المسألة.
والأصل أن الرجل إذا خرج من بيته كان مسافرًا لغةً، أما الشرع فقد قيّد الأمر بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبق السفر على إطلاقه اللغوي. وقد جاء ما يشهد لهذا المعنى، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمح لأصحابه أن يمكثوا في مكة ثلاثة أيام حتى لا تنتقض هجرتهم، لأنهم إذا زادوا على ثلاثة أيام في داخل مكة؛ حينئذ يكونون قد أقاموا فيها؛ فدل على أن الجلوس في مكان يُذهب عنك اسم السفر. فبمجرد دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وجلوسه وحط رحاله؛ انتهى اسم السفر، هذا هو الأصل، إذًا صار الزمن الآخر -وقت المكوث- استثناءً. أما هم؛ فقلبوا الصورة.
فخروج الرجل من بيته سفرٌ، ولما حط حط من أمتعته على الأرض صار مقيمًا، و"الضرب في الأرض"هو الذي يسمى سفرًا، فلما جلس صار مقيمًا، إذًا الأصل أن يُتم لأنه مُقيم، ولما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى مقصرا واحدا وعشرين ركعة أربعة أيام؛ علمنا أنه خرج من الأصل، والخروج من الأصل ينبغي أن يكون بقدره، وما القدر الذي خرج منه؟ الجواب: هو مدة مكثه في مكة.
يعني هذا أننا علمنا أن الرجل إذا نزل في مكان صار مقيمًا -هذا لغةً-، وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطانا أكثر من هذا، بحيث إن جلسنا تلك المدة ما يزال يدخل جلوسنا في مسمى السفر، وبعد انقضاء المدة لو أقمنا أكثر منها؛ يعود اسم السفر اللغوي، فهذه هي المسألة.