هذه قضية عقلية، ولذلك دائمًا إذا تعارض الحظر مع الإباحة قُدِّم الحظر -إلا في أحوال-، فهذه قاعدة؛ لأن الحظر أمر زائد عن الإباحة، ولا يمكن أن يأتي زائد الشيء إلا بعد ثبوت أصل الشيء. فإذًا الإباحة هي الأصل، وهي أصل الأحكام، ومنها يُشتقّ كثير من الأحكام الشرعية، مثل الاستصحاب -الأصل في الأشياء الإباحة، فيُستصحب هذا الحكم ما لم يأتِ ناقض أو حاظر له أو رافع له-، إذًا الإباحة هي الأصل ولا يُسأل عن الدليل عن الإباحة، فإذا قيل لك أن شيئًا مباح فلا ينبغي لك أن تسأل عن الدليل، ليس هذا من العلم؛ لأن الإباحة هي أصل، فلما كان المباح هو الأصل ابتدأ الشيخ به.
وإذا كان الأصل هو الإباحة فدلَّ على أن الإباحة هي أوسع الأحكام؛ لأنها هي الأصل والباقي استثناء، ولا يمكن للاستثناء أن يغلب الأصل، وإلا لانقلبت القاعدة. وكذلك مما يترتَّب على هذه القاعدة أن المُبيح مقدَّم على الحاظِر إذا لم يوجد دليل حاظر، لكن إذا وُجد الحاظر فالمصير إليه أَوْلى، لأن الاستصحاب هو أضعف الأدلة، وقلنا هو دليل إثبات لا دليل دفع؛ الاستصحاب لا يدفع، فالحِلُّ هو ما يُستصحب في الأصل فلا يستطيع أن يُدفع، ولذلك إذا وُجد الحظر والإباحة فالذي يُقدَّم هو الحظر، لأن المصير إلى الزائد أولى.
فحينئذ ما الذي يُسأل فيه عن الدليل في مسائل الأشياء؛ الحاظر أم المبيح؟ الحاظر هو الذي يُسأل فيه عن الدليل، أما المُبيح فهو مستقر على الأصل، فإذا جاء الحاظر وجب المصير إليه وهو الذي يُسأل عن دليله.
بخلاف العبادات؛ من الذي يسأل فيه عن الدليل في العبادات؟ المبيح؛ لأن الأصل في العبادات هو المنع، لنهي الشارع عن الابتداع في الدين، لأدلة كثيرة معلومة: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) هذه قاعدة، فلذلك في العبادات الأصل المنع، وهو عمل على القاعدة، لأن العبادات أمر بالعمل؛ إما أمر على جهة الاستحباب، وإما أمر على جهة الوجوب، فهي أمر، والأصل هو فراغ الذِّمة، وعدم وجود الأوامر، وهذا كله من الإباحة، فالإباحة هي الأصل، فلما كان الأصل هو فراغ الذمة؛ فإثبات شيء في الذمة هو الذي يحتاج إلى الدليل، فالقاعدة مطَّردة كما ترون، وهذا أمر مهم، وهو ليس فقط معرفة الألفاظ والقواعد، ولكن معرفة كيفية وجودها.
نحن قلنا سابقًا بأننا ربما لا نقرأ كل ما يذكر، ولكنّي أصدُقكم: عاودتُ مراجعة هذا الكتاب -وهو كتاب الأحكام- لِأختار منه الفقرات التي علينا أن نقرأها فوجدت أنه لا يمكن الاستغناء عن فقرة، ولا عن كلمة، ولا عن جملة، ولذلك سنخفف فقط الشرح. وجدت كل كلمة يقولها الشيخ تصيغ معلمًا مهمًا في عقل المرء لصناعة ملكة الفقه وأصوله، سنبقى على ما نحن عليه ونقرأ، لا بأس حتى إذا نظر الناظر أو سمع السامع ما يشرح من هذا الكتاب وعاد فيه؛ رأى أننا قرأنا الكتاب كله، ورأى