فهرس الكتاب
الدرس [36]
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين، حبيبنا وسيدنا وإمامنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، جعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم، آمين.
هذا هو الدرس السادس والثلاثون من دروس شرح كتاب الإمام أبي إسحاق الشاطبي (الموافقات) ، وقد انتهينا من المقدمات الرائعة التي فصَّل فيها الشيخ وأفادنا، أجزل الله -عز وجل- مثوبته عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
والآن يدخل الشيخ -رحمه الله- في الأحكام، لأننا قلنا أن الشيخ قسَّم كتابه بعد المقدمات إلى أربعة كتب:
1.الكتاب الأول: الأحكام.
2.الكتاب الثاني: المقاصد.
3.الكتاب الثالث: الأدلة الشرعية.
4.والكتاب الرابع هو: الاجتهاد والمجتهد والمسائل المتعلقة بها.
وهذا هو تقسيم القدماء، وأوَّل من قام بهذا التقسيم هو الإمام الغزالي من غير ذكر كتاب المقاصد، وما تميَّز به هذا الكتاب أنه أفرد للمقاصد كتابًا، وإلا فإن المقاصد الشرعية كانت علمًا منثورًا في ثنايا الأحكام والأدلة، وخاصة الأحكام، لكن الإمام الشاطبي -رحمه الله- كان ينظر إلى المقاصد الكلية للشريعة باعتبارها هدفًا ومقصدًا نهائيًا للأحكام الفرعية.
وهو قدَّم الأحكام لأنه أراد المقاصد؛ والمقاصد لا تُعرف إلا بمعرفة أحكامها، لأنها هي مقاصد الأحكام، فلا بد من معرفة الأحكام.
وابتدأ الأحكام بالمباح، لأن المباح هو أصل الأحكام، وهذه من قواعد الأصول وهي من كلمات ابن حزم التي يذكر دائمًا:"وما جاء زائدًا فالمصير إليه أَوْلى"، والمقصود بالزائد هو ما كان ناقضًا للمباح، لو ورد حديث فيه إباحة وحديث فيه حظر فالمصير إلى الحظر هو على قواعد الأصول، لأن الإباحة أصل، والحظر زائد عن الأصل؛ فلا يمكن أن يأتي الزائد قبلًا ثم تأتي الإباحة. الأصل هو ما لم يكن زائدًا، هل الزائد يكون بعد الشيء أم قبله؟ يكون بعده، إذًا الحظر زائد.