فهرس الكتاب
وهل تنصيب خليفةٍ الذي اتفق العلماء على وجوب تنصيبه هل إعادته اليوم تكون بغَمضة عينٍ أم بتضحياتٍ وأشلاء؟ فكيف يَجتمع الأمر بالاعتزال المطلق مع الأمر بتنصيب خليفة؟ إنما هو أمرٌ باعتزال الفِرق الداعية إلى أبواب جهنم، وهناك من الفرق والطوائف ما لا شكّ في أنها داعية إلى هدًى ورشاد بنور الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح والعلماء الأثبات ومن تبعهم بإحسان ..
وليس معنى الاعتزال -في حالٍ من الأحوال- أن لا يَنْشُرَ بين الناس وجوبَ تَنصيب خليفة أو أن لا يُحَرِّض على إخراج الكفار من بلاد المسلمين، فالشرع لم يَامرنا بمثل هذه العزلة عن الحق، بل صريح رواية مسلم ( .... ورجلٌ في شِعْبٍ من هذه الشِّعاب يُقيم الصلاة ويُؤتي الزكاة، ويَدع الناس إلا من خير) ، وأيُّ خيرٍ أعظمُ من إعادة الخلافة ودحر الكافرين المحتلين لبلاد المسلمين؟
والله أَمر رسوله بالتحريض على القتال، ولم يقل:"يا أيها النبي حرِّض المؤمنين وبالأخص طلبة العلم على العزلة".
أين هذا الانهزامي من حديث (كلما سَمع هَيْعةً أو فَزْعةً طار إليها: مسلم) .
وكان الصحابة يَطلبون الولد لأجل الجهاد، ولم نسمع أن أحدًا فَعل ما يفعله مَن يَنتسب لأهل العلم اليوم، فبوّب البخاري (باب من طلب الولد للجهاد) ، وليس للعزلة، وعلماؤنا الأقدمون كانوا صدّاحين بالحق لدى سلاطين زمانهم ولو كان الثمن حياتَهم؛ كأحمد بن نصر الخُزاعي، والعزّ ابن عبد السلام، والنووي.
وإذا وَجب الجهاد وكان المسلمون عاجزين عن الخروج لإخراج العدوّ فإن فرضهم يتحوَّل إلى الإعداد لإخراج العدوّ أو الهجرة للإعداد، ثم عند استحالة كل هذا يأتي دور العزلة عن الباطل وأهله، فالعزلة دواء عند تَعذُّر كل هذا، فكيف نتهالك لننشر العزلة بين الناس والأندلس تنادي أبناءها؟ فضلًا عن فلسطين والفلبين!
بل لا شك أن الهجرة قد تكون من لوازم اعتزال فرق الضلالة الداعية إلى أبواب جهنم المأمور به في حديث"حذيفة"، كما هو حال كثير من مشايخ بلادنا العربية الذين يُرْغَمون أن يَمْدحوا