صفحة رقم 589
جملة حالية قولَه ، معرضًا عنهم إيذانًا باستحقاقهم شديد الغضب: ( وما تأتيهم ) أي هؤلاء الذين هم أهل للإعراض عنهم ، وأعرق في النفي بقوله: ( من آية ) أي علامة على صحة ما دعاهم إليه رسولهم ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبعض بقوله: ( من آيات ربهم ) أي المحسن إليهم بنصب الأدلة وإفاضة العقول وبعث الرسول ) إلاّ كانوا عنها معرضين ) أي هذه صفتهم دائمًا قصدًا للعناد لئلا يلزمهم الحجة ، ويجوز أن يكون ذلك معطوفًا على ( يعدلون ) .
ولما كان إعراضهم عن النظر سببًا لتكذيبهم ، وهو سبب لتعذيبهم قال: ( فقد كذبوا ) أي أوقعوا تكذيب الصادق ) بالحق ) أي بسبب الأمر الثابت الكامل في الثبات كله .
لأن الآيات كلها متساوية في الدلالة على ما تدل عليه الواحدة منها ) لما جاءهم ) أي لم يتأخروا عند المجيء أصلًا لنظر ولا لغيره ، وذلك أدل ما يكون على العناد .
ولما كان الإعراض عن الشيء هكذا فعل المكذب المستهزئ الذي بلغ بتكذيبه الغايةَ القصوى ، وهي الاستهزاء ، قال: ( فسوف يأتيهم ) أي بوعد صادق لا خلف فيه عند نزول العذاب بهم وإن تأخر إتيانه ) أنباء ما كانوا ( أ يجبلة وطبعًا ) به يستهزئون ) أي يجددون الهزء به بغاية الرغبة في طلبه ، وهو أبعد شيء عن الهزء ، والنبأ: الخبر العظيم ، وهو الذي يكون معه الجزاء ، وأفاد تقديم الظرف أنهم لم يكونوا يهزؤون بغير الحق الكامل - كما ترى كثيرًا من المترفين لا يعجب من العجب ويعجب من غير العجب ، أو أنه عد استهزاءهم بغيره بالنسبة إلى الاستهزاء به عدمًا .
ولما أخبر بتكذيبهم على هذا الوجه وتوعدهم بتحتم تعذيبهم ، أتبعه ما يجري مجرى الموعظة والنصيحة ، فعجب من تماديهم مع ما علموا من إهلاك من كان أشد منهم قوة وأكثر جمعًا وجنى من سوابغ النعم بما لم يعتبروه فيه مع ما ضموه إلى تحقق أخبارهم من مشاهدة آثارهم وعجيب اصطناعهم في أبنيتهم وديارهم مستدلًا بذلك على تحقيق ما قبله من التهديد على الاستهزاء ، فقال مقررًا منكرًا موبخًا معجبًا: ( ألم يروا ( ودل على كثرة المخبر عنهم تهويلًا للخبر بقوله: ( كم أهلكنا ( .
ولما كان المراد ناسًا معينين لم يستغرقوا زمن القبل ، وهم أهل المكنة الزائدة كقوم نوح وهود وصالح ، أدخل الجار فقال: ( من قبلهم( وبيَّنَ ) كم ( بقوله:( من قرن ) أي جماعة مقترنين في زمان واحد ، وهم أهل كل مائة سنة - كما صححه القاموس لقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لغلام: ( عش قرنًا ) ، فعاش مائة .
هذا نهاية القرن ، والأقرب