فهرس الكتاب

الصفحة 1555 من 4996

صفحة رقم 248

)وهاجروا ) أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك ، وهم المهاجرون الأولون ، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حبًا لله ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ) واجاهدوا ) أي واقعوا الجهاد ، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله .

ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده ، كان الأنسب تقديم قوله: ( بأموالهم ) أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعهضها بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها ) وأنفسهم ( بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم ؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس ، وكان في غاية العزة في أول الأمر ، وأخر قوله:( في سبيل الله ) أي الملك الأعظم لذلك ، ( وفي ) سببية أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير قاطع ، ولعله عبر ب ( في ) إعلامًا بأنه ينبغي أن يكون متمكنًا من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالبًا عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه ، وأما في سةرة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعه بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وكان الحال إذ ذاك شديدًا جدًا ، والأموال في غاية القلة ، والأعداد لا يحصون ، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيبًا في بذلهما ، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع ، فكان المال قد اتسع ، والدين قد عز وضخم وقي وعظم ، وأسلم غالب الناس ، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة ، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال ، فناسب البداءة هناك بالسبيل .

ولما ذكر أهل الهجرة الأولى ، أتبعهم أهل النصرة ، وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا على زمنه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال: ( والذين آمنوا ) أي من هاجر إليهم من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم في ديارهم ، وقسموا لهم من أموالهم ، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوجوهن ، وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا ، وكذا قوله: ( ونصروا ) أي الله ورسوله والمؤمنين ، وهم الأنصار رضي الله عنهم ، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من كليتي الحسنيين ، ولولا إيواؤهم ونصرهم لما تم المقصود ، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زمانًا طويلًا وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر .

وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال: ( اولئك ) أي العالو الرتبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت