فهرس الكتاب

الصفحة 2114 من 4996

صفحة رقم 216

الإرث التام إذا مات الخلائق ، البارقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء ، ليس لأحد فينا تصرف بإماتة ولا إحياء ، فنثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار ، فلما ثبت بهذا كمال قدرته ، وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم ، قال تعالى: ( ولقد علمنا ) أي بما لنا من الإحاطة المعجزة ) المستقدمين منكم ( وهم من قضينا بموته أولًا ، فيكون في موته كأنه يسارع إلى التقدم وإن كان هو وكل من أهله مجتهدًا بالعلاج في تأخيره ) ولقد علمنا ( بعظمتنا ) المستأخرين ) أي الذين نمد في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم وغيره ، أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بالسيف أو غيرهن فعرف بذلك قطعًا أن الفاعل واحد مختار ، وكذا كل متقدم ومتأخر في وصف من الأوصاف غير الموت ، والمعنى على الأول: فنحن لا نميت أحدًا قبل أجله فلا تستعجلونا بالوعيد وتهيؤوا لدفاعه إن كنتم رجالًا ، فإنه لا بد أن يأتي لأنه لا يبدل القول لديّ .

ولما تم الدليل على تمام القدرة وشمول العلم ، ثبت قطعًا إحياء الموتى لانتفاء المانع من جهة القدرة ، واقتضاء الحكمة له من جهة العلم للعدل بين العباد بالمقابلة على الصلاح والفساد ، فقال تعالى مؤكدًا لإنكارهم: ( وإن ربك ) أي المحسن إليك بالانتقام لك ممن يعاديك ، وإقرار عينك من مخالفيك ) هو ) أي وحده ) يحشرهم ) أي يجمعهم إلى أرض القيامة بعد إعادتهم ؛ قال الرماني: وأصله جمع الحيوان إلى مكان ؛ ثم علل ذلك فقال مؤكدًا لأجل اعتقادهم ما يستلزم الإنكار: ( إنه حكيم ) أي يفعل الأشياء في أتم مواضعها بحيث لا يقدر أحد على نقضها ) عليم( بالغ العلم فلا يخفي عليه شيء ، وهو يريد أن ترى حكمته بكشف الغطاء عند تمييز أهل السعادة والشقاء ؛ والحكمة: العلم الذي يصرف عما لا ينبغي ، وأصلها المنع .

ولما جرت سنته الإلهية أنه يذكر ابتداء الخلق دليلًا على الإعادة سابقًا ولاحقًا ، وابتدأ هنا بذكر الحشر لما قام عليه من الدليل بإحياء الأرض ، توقع السامع تفصيل ابتداء الخلق الذي هو أدل دليل على البعث بعد إجماله في قوله )وإنا لنحن نحيي ( فقال مفتتحًا بحرف التوقع:( ولقد خلقنا ) أي بالعظمة الباهرة ) الإنسان ) أي الآنس بنفسه ، الناسي لغيره ) من صلصال ) أي طين يابس ، له عند النقر صلصلة أي صوت شديد متردد في الهواء ، فإن كان فيه مد من غيرر ترجيع فهو صلل ، فالمراد شديد يبسه ولكنه غير مطبوخ ، وأما المطبوخ فهو فخار: ثم بين أصل الصلصال فقال: ( من حمإٍ ) أي طين أسود منتن ) مسنون ) أي مصبوب مهيأ لعمل ما يراد منه بالدلك والتحسين من الذهاب والإضطراب والجعل على طبع وطريقة مستوية ، وكل ذلك على غاية السهولة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت