فهرس الكتاب
صفحة رقم 449
دينه ويعلي أمره ويغنيه عن أن يحتاج إلى غيره أو يجنح إلى سواه ، باعتقاد أن في يده شيئًا يستقل به ، وهاذ لا ينافي السعي في الأسباب مع اعتقاد أنها بيد الله ، فأن شاء ربط بها المسببات ، وإن شاء أعقمها ، بل السعي أكمل ، لأن ترتيب الأسباب بوضع الحكيم ، فالسعي في طرحها ينافي وضع الحكمة ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر: عباده - بالجمع بمعنى الرسول وأتباعه .
ولما كان الجواب قطعًا: بلى ، إنه ليكفي من يشاء ، والأصنام الممثلون بالشركاء المتشاكسين لا يكفون من تولاهم ، بني على ذلك حالًا عجيبًا من أحوالهم ، فقال معجبًا منهم ومتهكمًا بهم: ( ويخوفونك ) أي عباد الأصنام يعلمون أن الله يكفي من أراد وأن الأصنام لا كفاية عندها بوجه والحال أنهم يخوفونك .
ولما كان الخوف ممن له اختيار ، فإن كان عاقلًا كان أقوى لمخالفته ، وكان من المعلوم بديهة أنه لا اختيار لهم فضلًا عن العقل ، قال تهكمًا بهم بالتعبير بما يعبر به عن الذكور العقلاء لكونهم ينزلونهم بالعبادة وغيرها منزلة العقلاء مع اعترافهم بأنهم لا عقل لهم ، فصاروا بذلك ضحكة وشهرة بين الناس: ( بالذين ( وبين حقارتهم بقوله: ( من دونه ( وهم معبوداتهم ضلالًا عن المحجة فيقولون: إنا نخشى عليك أن يخبلك آلهتنا كما قالت عاد لهود عليه السلام
77 ( ) أن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ( ) 7
[ هود: 54 ] وسيأتي التعبير عنهم بالتانيث زيادة في توبيخهم .
ولما كان من الحق الواضح كالشمس أن ما قالوه لا يقوله عاقل ، وكان التقدير: فقد أظلهم الله إهانة لهم وهداك إكرامًا لك ، بين أنه سبحانه قسرهم على ذلك ليكون إضلاله لهم آية كما أن هداه آية ، فقال مخففًا عنه ( صلى الله عليه وسلم ) في إذهاب نفسه عليهم حسرات دامغًا للقدرية: ( ومن يضلل الله ) أي الذي له الأمر كله فلا يرد أمره ) فما له ( لأجل أنه هو الذي أضله ) من هاد ) أي فخفض من حزنك عليهم ) ومن يهد الله ) أي الذي لا يعجزه شيء أبدًا ) فما له من مضل ( فهو سبحانه يهدي من شاء منهم إن أراد .
ولما لم تبق شبهة ولا شيء من شك أن الهادي المضل إنما هو الله وحده وأنه جعل شيئًا واحدًا سببًا لضلال قوم ليكون ضلالهم في الظاهر علة للنقمة ، وهدى لآخرين فيكون هداهم سببًا للنعمة ، بلغ النهاية في الحسن قوله: ( أليس الله ) أي الذي بيده كل شيء ) بعزيز ) أي غالب لما يريد في إضلاله قومًا يدعون أنهم النهاية في كمال العقول لما هدى به غيرهم ) ذي انتقام ) أي له هذا الوصف ، فمن أراد النقمة منه سلط عليه ما يريد مما يحزنه ويذله كما أنه إذا أراد يعميه عن أنور النور ويضله .