فهرس الكتاب
صفحة رقم 508
ضرر ، ولم يقل: أو صادقًا ، وإن كان الحال مقتضيًا لغاية الإيجاز لئلا يكون قد نقص الجانب المقصود بالذات حقه ، فيكون قد أخل ببعض الأدب ، فقال مظهرًا لفعل الكون عادلًا عما له إلى ما عليهم معادلًا لما ذكره عليه ونقصه عنه إظهارًا للنصفة ودفعًا للتهمة عن نفسه: ( وإن يك( حذف نونه لمثل ما مضى ) صادقًا يصبكم ) أي على وجه العقوبة من الله وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئًا .
ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خمصه من غير حجة ، وكان أقل ما يكون من توعد من بانت مخايل صدقه البعض ، قال ملزمًا الحجة بالبعض ، غير ناف لما فوقه أظهارًا للأنصاف وأنه لم يوصله حقه فضلًا عن التعصب له نفيًا للتهمة عن نفسه: ( بعض الذي ( وقال: ( يعدكم ( دون( يوعدكم ) إشارة إلى أنهم إن وافوه أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير ، وإلا دهاهم ما توعدهم من الشر ، والآية من الاحتباك: ذكر اختصاصه بضر الكذب أولًا دليلًا على ضده وهو اختصاصه بنفع الصدق ثانيًا ، وإصابتهم ثانيًا دليلًا على إصابته أولًا ، وسره أنه ذكر الضار في الموضعين ، لأنه أنفع في الوعظ لأن من شأن النفس الإسراع في الهرب منه ، ولقد قام أعظم من هذا المقام - كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما - أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو مظهر إيمانه وقد جد الجد بتحقق الشروع في الفعل حيث اخذ المشركون بمجامع ثوب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول هذه الآية ، ودموعه تجري على لحيته حتى فرج الله وقد مزقوا كثيرًا من شعر رأسه - رضي الله عنه .
ولما كان فرعون قد نسب موسى عليه الصلاة والسلام بما زعمه من إرادته إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب ، علل هذا المؤمن قوله هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفرًا منه مع صلاحيته لأرادة موسى عليه الصلاة والسلام على ما زعمه فيه فرعون فقال: ( إن الله ) أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ) لا يهدي ) أي إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر ) من هو مسرف ) أي بإظهار الفساد متجاوز للحد ، وكأنه رضي الله عنه جوز أن يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذبًا ، ولذا قال ) يصبكم بعض الذي يعدكم ( فعلق الأمر بالمبالغة فقال: ( كذاب ( لأن أول خذلانه تعمقه في الكذب ، ويهدي من هو مقتصد صادق ، فإن كان كاذبًا كما زعمتم ضره كذبه ، ولم يهتد لوجه يخلصه ، وإن كان صادقًا أصابتكم العقوبة ولم تهتدوا لما ينجيكم ، لاتصافكم بالوصفين .