صفحة رقم 603
ولكن قاصد التجارة هو الكثر ، أنث الضمير فقال معلمًا بالاهتمام بها لأن اللهو مسبب عنها: ( إليها ( وللدالة على أنه إذا ذم قاصدها مع ما فيها من النفع والإنسان لا بد له من إصلاح معاشه لقيام حاله ولا سيما والحاجة إذ ذاك شديدة ، كان الذم لقصد اللهو نم باب الأولى .
ولما كان ذلك حال الخطبة التي هي جديرة بشدة الإصغاء إليها والاتعاظ بها في صرف النفس عن الدنيا والإقبال على الآخرة قال: ( وتركوك ) أي تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلًا ، قال جابر رضي الله عنه: أنا أحدهم ، ودل على مشروعية القيام بقوله: ( قائمًا ( فالواجب خطبتان: قائمًا يفصل بينهما بجلوس ، والواجب فيهما أن يحمد الله تعالى ويصلي على النبي( صلى الله عليه وسلم ) ويوصي بتقوى الله تعالى ، هذه الثلاثة واجبة في الخطبتين معًا ، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن وفي الثانية أن يدعو للمؤمنين ، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لم تصح الخطبة عند الشافعي رضي الله عنه ، ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو وقت الظهر ، والعدد وهو الأربعون ، والإمام والخطبة ودار الإقامة ، فإن فقد شرط وجبت الظهر ، ولا تبتدأ الخطبة إلا بعد تمام ، وبقاء هذا العدد شرط إلى آخر الصلاة ، فإن انفض بعضهم ثم عاد ولم يفته شيء من الأركان صحت .
ولما كان هذا فعل من سفلت همته عن سماع كلام الحق من الحق ، أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بوعظهم إلهابًا لهم إلى الرجوع إلى تأهلهم للخطاب ولو بالعتاب قال: ( قل ) أي لهم ترغيبًا في الرجوع إلى ما كانوا عليه من طلب الخير من معدنه: ( ما عند الله ) أي المحيط بجميع صفات الكمال من الأعراض العاجلة في الدنيا من واردات القلوب وبادر الحقيقة ، الحاصل من سماع الخطبة الآمر بكل خير ، الناهي عن كل شر ، المفيد لتزكية الباطن وتقويم الظاهر والبركة في جميع الأحوال والآجلة في الآخرة مام لا يدخل تحت الوصف ) خير ( ولما قدم التجارة أولًا اهتمامًا بها ، قدم هنا ما كانت سببًا له ليصير كل منهما مقصودًا بالنهي فقال: ( نم اللهو ( ولما بدأ به لإقبال الإغلب في حال الرفاهية عليه قال معيدًا الجار للتأكيد:( ومن التجارة ) أي وإن عظمت .
ولما كان من عنده الشيء قد لا يعطيه بسهولة وإذا أعطاه لا يعطيه إلا من يحبه قال: ( والله ) أي ذو الجلال والإكرام وحده ) خير الرازقين ( لأنه يرزق متاع الدنيا لسفوله ولكونه زادًا إلى الآخر البر والفاجر والمطيع والعاصي ، ويعطي نم يريد ما لا يحصيه العد ولا يحصره الحد ، وأما المعارف الإلهية والأعمال الدينية الدال عليها رونق الصدق وصفاء الإخلاص وجلالة المتابعة فلا يؤتيها إلا الأبرار وإن كانوا أضعف الناس