فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 4996

صفحة رقم 41

المزكي ، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضًا ، والمنفق يجود بما في يده فضلًا - انتهى .

ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص: ( والمستغفرين ) أي من نقائصحهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما يصل إليه الخلق من الكمال ) بالأسحار ( التي هي أشق الأوقات استيقاظًا عليهم ، وأحبها راحة لديهم ، وأولاها بصفات القلوب ، وأقربها إلى الإجابة المعبر عنها في الأحاديث بالنزول ما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة الإسراء .

قال الحرالي: وهو جمع سحر ، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ويدانيه ويكون منه بوجه ما ، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر ، ومنه السحور ، تعلل عن العداء ؛ ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال سبحانه وتعالى:

77 ( ) كانوا قليلًا من الّيل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ( ) 7

[ الذاريات: 17 ، 18 ] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل السيئات من سيئاتهم تبرؤًا من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئامًا بصدق قولهم في الابتداء: ( ربنا إننا آمنا ( وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره ، فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيرًا لهم من الدنيا وما فيها ، وقد بان بهذا محكم آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها ، فبتم بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى .

ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام الخمس ، فأشار بالصبر إلى الإيمان ، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه ، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة ، وبالإنفاق إل الحج الذي أعظم مقوماته المال ، وبالاستغفار إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما في القيام ولا سيما في السحر ؛ وسر ترتبيها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق في التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان ، ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان ، ولما ذكر عبادة البدن مجردًا بعد عبادة المال مجردًا ذكر عبادة ظاهرة مركبة منهما ، شعارها تعرية الظاهر ، ثم أتبعه عبادة بدنية خفية ، عمادها تعرية الباطن ، فختم بمثل ما بدأ به ، وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه وتعالى .

ولما أخبر سبحانه وتعال بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها وأخبر عما أعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت