صفحة رقم 216
يجب عليكم حفظها ) التي جعل الله ) أي الذي له الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة ) لكم قياما ) أي ملاكًا وعمادًا تقوم بها أحوالكم ، فيكون ذلك سببًا لضياعها ، فضياعها سبب لضياعكم ، فهو من تسمية السبب باسم المسبب للمبالغة ، في سببيته ) وارزقوهم ( متجرين ) فيها ( وعبر بالظرف إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال موضعًا للفضل ، حتى تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال ) واكسوهم ) أي فإن ذلك ليس من المنهيّ عنه ، بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال ) وقولوا لهم ) أي مع ذلك ) قولًا معروفًا ) أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها ، وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفًا للشرع فهو معروف ، فإن ذلك ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع للشر ؛ والحجر على السفيه مندرج في هذه الآية ، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه .
ولما نهي عن ذلك البذل للسفهاء أيتامًا كانا أو غيرهم ، بين أنه ليس دائمًا بل ما دام السفه قائمًا ، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع ، ولما كان السفه أمرًا باطنًا لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال ؛ بدأ سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلأى معرفته فقال مصرحًا بالأيتام اهتمامًا بأمرهم: ( وابتلوا اليتامى ) أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم ) حتى إذا بلغوا النكاح ) أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو السن ) فإن آنستم ) أي علمتم علمًا أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه تحبونه وتطيب أنفسكم به ) منهم ) أي عند بلوغه ) رشدًا ) أي بذلك التصرف ، ونكره لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه ) فادفعوا إليهم أموالهم ) أي لزوال الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير ، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولًا إلى المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها .
ولما كان الإنسان مجبولًا على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط ، لا سيما إن حصل له إذن ما ؛ أدبه سبحانه بقوله: ( ولا تأكلوها ) أي بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها ) إسرافًا ) أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة ) وبدارًا ) أي مبادرين ) أن يكبروا ) أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها ، وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في الأقوال
77 ( ) ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ( ) 7