فهرس الكتاب
صفحة رقم 280
ولما بين أن محط حال القاعد عن الجهاد الدنيا ، علم أن قصد المجاهد الآخرة ، فسبب عن ذلك قوله: ( فليقاتل في سبيل الله ) أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له الأمر كله وحفظ الناس عليه ) الذين يشرون ) أي يبيعون برغبة ولجاجة وهم المؤمنون ، أو يأخذون وهم المنافقون - استعمالًا للمشترك في مدلوليه ) الحياة الدنيا ( فيتركونها ) بالآخرة ( ولما كان التقدير: فإنه من قعد عن الجهاد فقد رضي في الآخرة بالدنيا ، عطف عليه قوله:( ومن يقاتل في سبيل الله ) أي فيريد إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال ) فيقتل ) أي في ذلك الوجه وهو على تلك النية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفسه ) أو يغلب ) أي الكفار فيسلم ) فسوف نؤتيه ) أي بوعد لا خلف فيه بما لنا من العظمة المحيطة بالخير والشر ، والآية من الاحتباك: ذكرُ القتل أولًا دليل على السلامة ثانيًا ، وذكر الغالبية ثانيًا دليل على المغلوبية أولًا ؛ وربما دل التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالبًا خلافًا لما يتوهمه كثير من الناس - إعلامًا بأن المدار على فعل الفاعل المختار ، لا على الأسباب ) أجرًا عظيمًا ) أي في الدارين على اجتهاده في إعزاز دين الله سبحانه وتعال ، واقتصاره على هذين القسمين حث على الثبات ولو كان العدو أكثر من الضعف
77 ( ) فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ( ) 7
[ البقرة: 249 ]
77 ( ) والله يؤيد بنصره من يشاء ( ) 7
[ آل عمران: 13 ] والله مع الصابرين .
ولما كان التقدير: فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله لهذا الأجر الكثير ممن لا يخلف الميعاد ، وكانوا يقولون: إنا لا نعطي الميراث إلا لمن يحمي الذمار ، ويذب عن الجار ، ويمنع الحوزة ؛ قال عاطفًا على هذا المقدر ملهبًا لهم ومهيجًا ، ومبكتًا للقاعدين وموبخًا: ( وما ) أي وأي شيء ) لكم ( من دنيا آو آخره حال كونكم ) لا تقاتلون ) أي تجددون القتال في كل وقت ، لا تملونه ) في سبيل الله ) أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له العظمة الكاملة والغنى المطلق وبسبب خلاص ) والمستضعفين ) أي المطلوب من الكفار ضعفهم حتى صار موجودًا ، ويجوز - وهو أقعد - أي يكون منصوبًا على الاختصاص تنبيهًا على أنه من أجل ما في سبيل الله .
ولما كان الإنكاء من هذا ما لمن كان رجاء نفعه أعظم ، ثم ما لمن يكون العار به أقوى وأحكم ؛ رتبهم هذا الترتيب فقال: ( من الرجال والنساء والولدان ) أي المسلمين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة ، وكانوا يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، وكل منهما كافٍ