صفحة رقم 376
كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك منافٍ للحكمة ، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه ، ومن قال: إن الله أو ابن الله ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثًا ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه وثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل .
ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله: ( إنما المسيح ) أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضًا لأن يمسح الناس ويطهرهم .
لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد يوصف به غيره بيّنه بقوله: ( عيسى ( ثم أخبر عنه بقوله: ( ابن مريم( أتصل بها اتصال الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها ، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى ) رسول الله ( لا أنه لغير رشدة - كما كذب اليهود .
ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر ، جعل نفس الكلمة فقال: ( وكلمته( لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كونًا خارقًا للعوائد ) ألقاها ) أي تشريفًا بقوله: ( وروح ) أي عظيمة نفخها فيما تكّون في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيى الموتى إذا اراد ، وأكمل شرفه بقوله: ( منه ) أي وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل: روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أوبدن .
ولما أفضح بهذا الحق سبب عنه قوله: ( فآمنوا بالله ) أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء ) ورسله ) أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقًا هو الكفر الكامل - كما مر .
ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل فقال: ( ولا تقولوا ) أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ) ثلاثة ) أي استمروا أيها اليهود على التكذيب بما تقول فيه النصارى ، ولا تقولوا: إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث ،