صفحة رقم 377
وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم إليه أنه إله واحد ، لأن ذلك بديهي البطلان ، فالحاصل أنه نهى كلًا عن التثليث وإن كان المراد أن به مختلِفَين ، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم ، فهما اثنان لا غير ، وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه .
ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغبًا مرهبًا في صيغة الأمر بقوله: ( انتهوا ) أي عن التثليث الذي نسبتموه إلى الله بسببه ، وعن كل كفر ، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير: إن تنتهوا يكن الانتهاء ) خيرًا لكم ( ولما نفى أن يكون هو الله ، كما تضمن قولهم ، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك ، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال:( إنما الله ) أي الذي له الكمال كله ؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية ، لا من حيث الذات قال: ( إله واحد ) أي لا تعدد فيه بوجه .
ولما كان المقام عظيمًا زاد في تقديره ، فنزهه عما قالوه فقال: ( سبحانه ) أي تنزه وبعد بعدًا عظيمًا وعلا علوًا كبيرًا ) أن ) أي عن أن ) يكون له ولد ) أي كما قلتم أيها النصارى فإن ذلك يقتضي الحاجة ، ويقتضي التركيب والمجانسة ، فلا يكون واحدًا ؛ ثم علل ذلك بقوله: ( له ) أي لأنه إله واحد لا شريك له له ) مافي السموات ( وأكد لأن المقام له فقال:( وما في الأرض ) أي خلقًا ومِلكاَ ومُلكًا ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءًا منه وولدًا له ، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك ، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود .
ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما وما فيهما ، لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها ، والسابعة في الكرسي ، والكرسي في العرش ، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك ، وذلك هو وظيفة الوكيل بالحقيقة ليكفي من وكله كل ما يهمه ؛ كان كأنه قيل: وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في تدبير مصالحكم ، فبنى عليه قوله: ( وكفى بالله ) أي الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدرة ) وكيلًا ) أي يحتاج إليه كل شيء ، ولا يحتاج هو إلى شيء ، وإلا لما كان كافيًا .
النساء: ( 172 - 174 ) لن يستنكف المسيح. .. . .
)لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للَّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ