صفحة رقم 378
وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) 73
ولما كان الوكيل من يقوم مقام الموكل ، ويفعل ما يعجز عنه الموكل ، وكان الله تعالى لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء ، وكان عيسى عليه الصلاة السلام لا يدّعى القدرة على شيء إلا بالله ، وكان يحتاج إلى النوم وإلى الأكل والشرب وإلى ما يستلزمانه ، صح أنه عبدالله فقال سبحانه دالًا على ذلك: ( لن يستنكف ) أي يطلب ويريد أن يمتنع ويأبى ويستحي ويأنف ويستكبر ) المسيح ) أي الذي ادعوا فيه الإلهية ، وأنفوا له من العبودية لكونه خلق من غير ذكر ، ولكونه أيضًا يخبر ببعض المغيبات ، ويحيي بعض الأموات ، ويأتي بخوارق العادات ) أن ) أي من أن ) يكون عبدًا لله ) أي الملك الأعظم الذي عيسى عليه الصلاة والسلام من جملة مخلوقاته ، فإنه من جنس البشر في الجملة وإن كان خلقه خارقًا لعادة البشر ) ولا الملائكة ) أي الذي هم أعجب خلقًا منه في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى ولا ما يجانس عنصر البشر ، فكانوا لذلك أعجب خلقًا من آدم عليه الصلاة والسلام أيضًا ، وهم لا يستنكفون بذلك عن أن يكونوا عباد الله .
ولما كان التقريب مقتضيًا في الأغلب للاستحقاق ، وكان صفة عامة للملائكة قال: ( المقربون ) أي الذين هم في حضرة القدس ، فهم أجدر بعلم المغيبات وإظهار الكرامات ، وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سببًا في حياة عيسى عليه الصلاة والسلام ، وقد ادعى بعض الناس فيهم الإلهية أيضًا ، وبهذا طاح استدلال المعتزلة بهذه الآية على أفضلية الملك على البشر بأن العادة في مثل هذا السياق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بعد تسليم مدعاهم ، لكن في الخلق لا في المخلوق .
ولما أخبر تعالى عن خلّص عباده بالتشرف بعبوديته أخبر عمن يأبى ذلك ، فقال مهددًا محذرًا موعدًا: ( ومن يستنكف ) أي من الموجودات كلهم ) عن عبادته ( ولما كان الاستنكاف قد يكون بمعنى مجرد الامتناع لا كبرًا ، قال مبينًا للمراد من معناه هنا:( ويستكبر ) أي يطلب الكبر عن ذلك ويوجده ، لأن مجدرد الامتناع لا يستلزمه .
ولما كان الحشر عامًا للمستكبر وغيره كان الضمير في ) فسحشرهم ( عائدًا على العباد المشار إليهم بعبدًا وعبادته ، ولا يستحسن عوده على( مَنْ ) لأن التفصيل يأباه ، والتقدير حينئذ: فسيذلهم لأنه سيحشر العباد ) إليه جميعًا ) أي المستكبرين وغيرهم بوعد لا خلف فيه لأن الكل يموتون ، ومن مات كان مخلوقًا محدثًا قطعًا ، ومن كان مقدورًا على ابتدائه وإفنائه كانت القدرة على إعادته أولى ، والحشر: الجمع بكره .