فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 450

مقدمة ، ص: 37

بقوانينه «1» . والأرجح أن هذا هو معنى التقشف الذي ينسب اليه.

وإذا كانت الأمارات ، والترف ، والحضارة ، والثراء ، لا تنفك في الأغلب عن اقتراف الجرائم ، وغمط الحقوق ، والتلاعب بالقوانين المدنية ، وهتك نواميس الشرع الأقدس - فان الشريف لم يؤثر عنه إلا العفة المطلقة والفتوة والمماشاة بوفاق مع المروءة واحترام النواميس كافة ، حتى في مجالسه الخاصة ونحن لتلك العزة وتلك الانفة والمروءة نذعن لآخر نظرة أنه لم يقترف مأثما ، وأن تلك الصفات والملكات تكفه وتردعه بسهولة وبلا مقاسرة ، عن المظالم التي تبتعد بالمروءة الى المطرح السحيق.

وفوق ذلك انا نعتقد عند ما ننظر في شعره الى أمثال قوله:

شغلت بالمجد عما يستلذ به وقائم الليل لا يلوي على السمر

أنه مع تمكنه من لذائذ الحياة بأكمل وجه قد أصبح محروما عن أكثرها ، إيثارا للمروءة وصونا لكرامة العرض ، ونزداد يقينا في هذا لاحظنا أنه لم يستعمل المواربة في شعره ، ولم يجالس الخلعاء والظرفاء الذين يستخفون بالنواميس في أيام شبيبته ، وأنه لذلك لم يصرف شيئا من شعره في فنون المهازل والمجون فان هذا يدلنا على انه لم يعمل ما يعتذر عنه ولا يصانع أحدا سترا على نفسه ، ولذا نجده وهو بمرصد من أعدائه لا يحفل أن يجاهر بمثل قوله:

عف السرائر لم تلطّ لريبة يوما عليّ مغالقي وسجوفي

(1) ابن ابي الحديد في شرح النهج وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت