فهرس الكتاب
مقدمة ، ص: 45
فأوسعني قبل العطاء كرامة ولا مرحبا بالمال إن لم أكرّم
وهذا ربما يؤخذ منه أنه لا يتهالك على المال ، وانه يؤثر عليه صيانه الغرض والكرامة ، استمساكا بالعزة والأنفة ، لا كمن يمدح الملوك للاسترفاد وأخذ المال بأيّ وسيلة ممكنة. وهذا توسط بين طرفي الابتذال والإباء ، لا يعاب سالكه ولا يهدم شرف الشريف انتهاجه ، ولربما يدعم بمثل قوله للمهلبي:
فهذا ثنائي لا أريد به الغنى ابى المجد أني أجعل المدح مكسبي
كم عرّضوا لي بالدنيا وزخرفها لمع الهلوك فلم أرفع لها راسا
أريد الكرامة لا المكرمات ونيل العلالا العطايا الجساما
وهذا التوسط هو الذي صيّره مقلا - فيما يزعم - على وفور ما عنده ، وهو الذي جعله يلهج بالقناعة كثيرا ، ويكثر من التلهف على بلاغ من العيش يناله بعزة ، نحو قوله:
من لى ببلغة عيش غير فاضلة تكفني عن قذى الدنيا وتكفيني
أخيّ! من باع دنياه وزخرفها بصونه كان عندي غير مغبون
وعلى العلات ، فاني لا اعرف في عصر الشريف بل في اكثر العصور شاعرا استكبر على الكسب بالشعر ، بل لا نكاد نعرف للشعراء غرضا من نظم الشعر في الأغلب إلّا التماس الوفريه ، لكن الشريف يتكبر على تلك العادة السيئة ويأنف من المدح ، إلّا أن يكون فيه نوع من الكرامة لا يحط من شرفه ولا يضع من مقداره ولذا نراه يندد بمن لا يبالى إذا حصل له المال من اي طريق اجتلبه.