""""""صفحة رقم 63""""""
وعليها ففصل الخطاب الذي أوتيه داود: ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) لكن القول بأن أوّل من تكلم بها سحبان فيه نظر ، لأن النبي كان يقولها في خطبه وهو قبل سحبان إجماعًا إذ سحبان كان في زمن معاوية . وأجيب: بأن المراد أول من قالها بعد النبي ، وصحة هذا الجواب تتوقف على أنها لم تصدر من أصحابه بعده ولا من غيرهم إلى زمن سحبان ، والظن خلاف ذلك لما علم من كمال محافظتهم على الاقتداء به في نحو ذلك ، والأولى في الجواب أنه أول من تكلم بها في الشعر كقوله:
لقد علم الحي اليمانون أنني
إذا قلت أما بعد أني خطيبها
وبعد ظرف زماني باعتبار النطق ومكاني باعتبار الرسم . قوله: ( مهما يكن من شيء بعد ) مهما اسم شرط مبتدأ والاسمية لازمة للمبتدأ ، ويكن شرط والفاء لازمة له غالبًا فحين تضمنت أما معنى الابتداء والشرط لزمتها الفاء ولصوق الاسم إقامة للازم وهو الفاء ولصوق الاسم مقام الملزوم وهو المبتدأ والشرط وإبقاء لأثره في الجملة لأن الاسمية ليست في أما بل ملاصقة لها . وعبارة أ ج وإنما لزمت الفاء بعد أما ولم تلزم بعد غيرها من الشروط ، لأن أما لما كانت دلالتها على الشرط بنيابتها عن مهما يكن ضعفت فاحتاجت للزوم الفاء لتدل على الشرطية بخلاف مهما وغيرها من الشروط ، فإن دلالتها على الشرطية بالأصالة اه . وإعراب هذا اللفظ مهما: مبتدأ . ويكن فعل الشرط وهي تامة بمعنى يوجد ، ومن: زائدة . وشيء: فاعل لكن يلزم عليه محذوران زيادة من في الإثبات ، وخلوّ فعل الشرط من عائد على الاسم الواقع مبتدأ ، فالأولى أن الفاعل ضمير مستتر يعود على مهما ، ومن شيء بيان لمهما ، وفائدة هذا البيان بيان عموم مهما ، وأنها ليست عبارة عن حصول نوع بعينه ، فاندفع ما يقال لا فائدة في هذا البيان لإبهامه ، ثم إن خبر مهما هو فعل الشرط وحده على الراجح ، وتوقف الفائدة على الجواب من حيث التعليق لا من حيث الخبرية م د على قواعد الإعراب .
قوله: ( جمع صديق ) فعيل بمعنى فاعل ، فإن معناه الصادق المودة وهو أخص من الحبيب ، فإن الحبيب ذو الود ، والخليل صافي الود ، قال البرماوي: والصديق من يفرح لفرحك ويحزن لحزنك وضده العدوّ . والصاحب من طالت عشرتك به ، والخليل من يفرح لفرحك ويحزن لحزنك وتخللت محبته في الأعضاء ، والحبيب من يفرح لفرحك ومن يحزن لحزنك وتخللت محبته في الأعضاء وتفديه بمالك اه . والعداوة مأخوذة من قولهم عدا فلان عن طريق فلان أي جاوزه ولم يوافقه فيما طلبه ، وكان أصل ذلك أن الخلق يوم أخذ الميثاق عليهم كانوا على أحوال فما كان وجهًا لوجه فمحال أن يقع بينهما عدواة ، وما كان ظهر الظهر فمحال أن يكون بينهما صداقة ، وما كان وجهًا لظهر فصاحب الوجه محب عاشق وصاحب الظهر مبغض ذكره العلامة الشعراني في كتابه المنن .