فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 129

قالَ الطاهرُ: [مقالٌ آخرٌ مشتركٌ بينهم وبينَ اليهودِ يدلُّ على غباوتهم في الكفرِ إذ يقولون ما لا يليقُ بعظمةِ الله تعالى، ثم هو مناقضٌ لمقالاتهم الأخرى ... وقد وقعَ في التوراةِ والإنجيلِ التعبير بأبناء الله , ففي سفر التثنيِّة أول الفصل الرابع عشر قول موسى «أنتم أولاد للرب أبيكم» . وأمَّا الأناجيلُ فهي مملوءة بوصفِ الله تعالى بأبي المسيح، وبأبي المؤمنين به، وتسمية المؤمنين أبناءُ الله في (متى) في الإصحاح الثالث «وصوت من السماء قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» [1] ... وكلُّها جائية على ضربٍ من التشبيه فتوهمها دهماؤهم حقيقة فاعتقدوا ظاهرها. وعطفَ وأحباؤه على أبناءِ الله أنَّهم قصدوا أنَّهم أبناء محبوبون إذ قد يكون الابن مغضوبًا عليه] [2] .

ثم ذكرَ -رحمه الله- أنَّ الله علَّم النبيَّ صلى الله عليه وسلم حجة يُبطلُ بها قولهم المنكر هذا. فقال: [وقد علَّمَ الله رسولَه أن يبطل قولهم بنقضين: أولهما من الشريعة، وهو قوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} يعني أنَّهم قائلونَ بأنَّ نصيبًا من العذاب ينالهم بذنوبهم، فلو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذَّبهم بذنوبهم، وشأنُ المحبِّ أن لا يعذَّبَ حبيبه , وشأنُ الأبِ أن لا يعذَّب أبناءه ... وليسَ المقصودُ من هذا أن يردَّ عليهم بوقوعِ العذابِ عليهم في نفس الأمر، من تقدير العذاب لهم في الآخرة على كفرهم، لأنَّ ذلك لا يعترفون به فلا يصلح للردِّ به، إذ يصيرُ الردُّ مصادرة، بل المقصود الردُّ عليهم بحصولِ عذابٍ يعتقدون حصوله في عقائد دينهم، سواء كان عذابَ الآخرة أم عذابَ الدنيا. فأمَّا اليهودُ فكتبهم طافحةٌ بذكرِ العذاب في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [3] . وأمَّا النَّصارى فلم أر في الأناجيلِ ذكرًا لعذابِ الآخرةِ إلا أنَّهم قائلون في عقائدهم بأنَّ بني آدم كلّهم استحقوا العذاب الأخروي بخطيئة أبيهم آدم، فجاءَ عيسى ابن مريم مخلِّصًا وشافعًا وعرَّضَ نفسه للصلبِ ليُكفِّرَ عن البشرِ خطيئتهم الموروثة، وهذا يُلزمهم الاعترافَ بأنَّ العذابَ كان مكتوبًا على الجميعِ لولا كفارةُ عيسى فحصلَ الردُّ عليهم باعتقادهم به بله اعتقادنا. ثم أُخِذت النتيجةُ من البرهان بقوله {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي ينالكم ما ينالُ سائر البشر. وفي هذا تعريضٌ أيضًا بأنَّ المسيحَ بشرٌ، لأنَّه ناله

(1) قلت: ولا يخفى ما حصل في كتب أهل الكتاب من التحريف والزيادة والنقص , فلعل هذه المصطلحات من إضافاتهم وكذبهم وتزويرهم.

(2) ابن عاشور , مرجع سابق , 6/ 155 - 156

(3) سورة البقرة , من الآية: 80

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت