فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 129

المبحث الثامن: ما معنى الخَلْق الذي جاءَ بهِ عيسى عليه السلامُ!!؟

قال تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [1] .

لقد أرسلَ اللهُ الرُسلَ إلى أقوامِهم لدعوتهم إلى التوحيدِ وعدم الإشراكِ بربِّ العالمين , وقد أيَّدَهم سبحانه وتعالى بآياتٍ ومعجزاتٍ كي يعلموا صدقَ الأنبياءِ والرسل , وكانت كُلُّ أمّةٍ من الأممِ قد اشتهَرت وتفوَّقت بمجالٍ من المجالات , فكانَ بنو إسرائيلَ في زمن موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام , مشهورون بالسحرِ والشعوذةِ , فأرسل اللهُ لهم موسى وأيَّده بآياتٍ تُضاهي سحرهم , فكان من آياتهِ العصا , والحيةُ , وغيرها.

وكانَ بنو إسرائيلَ في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام , مشتهرون ومتفوقون في مجال الطبِّ وعلاج المرضى , فأيّدَ اللهُ عيسى بمعجزاتٍ تضاهي معرفتهم بالطبِّ وتفوقهم فيه , فكانَ يخلقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ بأذن اللهِ , ويُبرئ الأكمه وهو الذي ولدَ أعمى , والأبرص وهو داءٌ جلديّ , إضافةً إلى ذلكَ فهو يحيي الموتى , يناديهم فيخرجونَ من قبورهِم أحياء , ولذلك ضلَّ النّصارى في عيسى وألهوهُ وأنزلوه قدرًا فوق قدرهِ , وأعطوه حقًا ليس من حقهِ , وقد حلّقَ بنا ابن عاشورٍ في سماءِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ.

فقالَ رحمه الله: [ومعنى {جِئْتُكُمْ} أُرسلتُ إليكم من جانبِ اللهِ , ونظيرهُ قوله تعالى {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ} [2] .وقوله: {بِآيَةٍ} حالٌ من ضميرِ {جِئْتُكُمْ} لأنَّ المقصودَ الإخبارُ بأنَّهُ رسولٌ لا بأنَّهُ جاءَ بآيةٍ. شبّه أمْرُ اللهِ إياهُ بأن يُبلِّغْ رسالتَهُ بمجيء المُرسلِ من قومٍ إلى آخرينَ , ولذلكَ سُميَّ النبيُّ رسولا].

ثم قال: [والخلقُ: حقيقتُهُ تقديرُ شيءٍ بقدرٍ، ومنه خلْق الأديمِ , تقديرهُ بحسبِ ما يُرادُ من قطعهِ قبلَ قطعِ القطعةِ منه. قال زهير:

(1) سورة آل عمران , الآية: 49

(2) سورة الزخرف , من الآية 62

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت