تمهيد
الحمدُ للهِ ربِّ العَالمَينَ , والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين , نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين , أمَّا بعدُ:
فإنَّ القرآنَ الكريمَ كلامُ ربِّنا العظيم -سُبحانهُ وتعالى- أنزلهُ على عبدِه ورسولِه النَّبيِّ الأُميِّ الأمين , محمَّد بن عبد الله , صلواتُ ربي وسلامهُ عليه , ليكونَ للعالمينَ نذيرا.
ولا يزالُ علماءُ الإسلامِ الأفذاذ منذ القرونِ الأولى المُفضَّلةِ يتعاقبونَ على دراستِهِ , ويصرفون جُلَّ أوقاتِهم للنَّهلِ من معينهِ , والتزودِ من هدايتهِ.
هذا وإنَّ لعلماءِ التَّفسيرِ من ذلكَ أوفرَ الحظِّ والنَّصيب , فهم الذينَ صرفوا أعلى الهممِ لتدبُّرِه , واستخراجِ دُررهِ , لفهمِ مرادِّ الله -عزوجل- فكانَ لهم في ذلكَ مؤلفاتٍ كثيرةٍ , عظيمةٍ في قدرِها ونفعِها.
ومن أجلِّ ما أُلِّف في بابِ التَّفسيرِ وخصوصًا في هذهِ القرونِ المتأخَّرة ما خطَّتهُ أناملُ العلاّمةِ البارعِ الشيخ محمَّد الطاهرِ ابن عاشورٍ -رحمه الله- وقد سمَّى تفسيرهُ"التَّحريرُ والتَّنويرُ".
ومن وُفِّقَ للإطِّلاعِ على هذا التَّفسيرِ , لا يشكُّ أبدًا بعِظَمِ هذا الكتابِ , وعلوِّ شأنِ مؤلفهِ , وسِعَةِ اطِّلاعهِ ومعرفتهِ , فقدْ أودَعَ فيه من العلومِ ألوانًا شتَّى , ومن المعارفِ ما يروي ظمأ العطشى ,
{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [1] .
فإن رمتَ تفسيرَ الآياتِ وجدتَهُ قد أجادَ فيها وأفاد , ونقلَ ومحصَّ النقولَ وذلك لعلوِّ مرتبته في العلم , فلا يكتفي بالنقلِ المجرّدِ , ولا يستقلُّ بفهمه المحددِّ , بل زاوجَ بينهما حتى رأينا من كلامه ما يقنعُ , وإن بحثتَ عن اللغةِ فهو العالمُ المتبحر , يعرضُ أقوالَ أئمتها فيناقشُ ويرجحُ ما يترجحُ له ولا ريبَ فهوَ إمامٌ
(1) سورة الجمعة , الآية: 4