(أي بنفخك) ." [1] ."
ثم شرعَ رحمه الله في بيانِ حكمة ذكر الوصفينِ السابقينِ لعيسى عليه السلام وهما كلمةُ الله وروحٌ منه , فقال: [فإن قُلتَ: ما حكمةُ وقوعِ هذينِ الوصفينِ هنا على ما فيهما من شبهة ضلَّت بها النَّصارى؟، وهلَّا وصِفَ المسيحُ في جملة القصرِ بمثلِ ما وصِفَ به محمدٌ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ... } [2] فكانَ أصرحَ في بيانِ العبودية، وأنفى للضلال!!؟.
قُلتُ: الحكمةُ في ذلكَ أنَّ هذينِ الوصفينِ وقعا في كلامِ الإنجيلِ، أو في كلامِ الحواريين وصفًا لعيسى- عليه السلام-، وكانا مفهومين في لغةِ المخاطبين يومئذ، فلمَّا تغيِّرت أساليبُ اللغاتِ وساءَ الفهم في إدراكِ الحقيقة والمجاز تسرَّبَ الضلالُ إلى النَّصارى في سوءِ وضعهما فأُريدَ التنبيهُ على ذلكَ الخطأ في التأويلِ، أي أنَّ قُصارى ما وقعَ لديكم من كلامِ الأناجيلِ هوَ وصفُ المسيح بكلمةِ الله وبروح الله، وليسَ في شيءٍ من ذلكَ ما يؤدِّي إلى اعتقادِ أنَّه ابنُ الله وأنَّه إلهٌ , وتصديرُ جملة القصرِ بأنَّه رسولُ الله ينادي على وصفِ العبودية إذ لا يُرسل الإله إلهًا مثله، ففيه كفايةٌ من التنبيهِ على معنى الكلمةِ والروح] [3] .
قالَ تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [4] .
يخبرُ الله جلَّ في علاه أنَّ المسيحَ عيسى ابن مريم عليه السلام لن يستكبرَ ويمتنعَ أن يكونَ عبدًا من عباد اللهِ , ولا الملائكةُ المقربونَ يستكبرون ويمتنعونَ من ذلكَ , لأنَّه وإيِّاهم يعرفونَ قدرة الله وعظمتهِ وأحقيِّته بالعبادة
(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 6/ 50 - 53.
(2) سورة الكهف , من الآية 110
(3) ابن عاشور , مرجع سابق , 6/ 53.
(4) سورة النساء , الآية: 172