قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [1] .
إنَّ اللهَ عزَّوجلَّ إذا أرادَ شيئًا قال لهُ كُن فيكون , ولا رادَّ لأمرهِ وقضائهِ , فهو سبحانهُ القادرُ على كل شيءٍ , لا يعجزهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ , وفي هذهِ الآيةِ الكريمةِ يُبيّنُ اللهُ جلَّ في علاه أنَّه خلقَ عيسى عليه السلام بكلِمةٍ منه وهي قوله: كُن.
ولم يكنْ خلقُهُ كبقيِّةِ البشرِ الذينَ جاءوا عن طريقِ آبائهم , ولهذا ضلَّ النّصارى وغلوا في عيسى , وقد بيّنَ الإمامُ ابن عاشورٍ المرادُ من قوله تعالى: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} .
قالَ الطاهرُ: [والكَلِمةُ مُرادٌ بها كلِمَةُ التكوّينِ وهيَ تعلُّق القُدرةِ التنجيزي , كما في حديثِ خلْقِ الإنسانِ من قوله:"وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ"إلخ[2] , ووصفُ عيسى بكَلِمةٍ مُرادٌ بهِ كلِمة خاصَّة مخالِفَة للمُعتادِ في تكوّينِ الجنينِ , أي بدونِ الأسبابِ المعتادةِ.
وقولهُ:] منه [من , للابتداءِ المجازيِّ , أي بدونِ واسطةِ أسبابِ النَّسلِ المعتادةِ وقد دلَّ على ذلكَ قولهُ: { ... إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [[3] .
وقد ذكرَ القُرطبيُّ معنى زائدًا عمّا جاءَ به ابن عاشور لـ [كلمة] , إلا أنَّهُ رجّحَ القولَ الأوّل , فقالَ:] وسُميَّ عيسى كلمة لأنَّه كانَ بكلمةِ اللهِ تعالى التي هيَ [كُنْ] فكانَ من غيرِ أبٍ ... وقيلَ: سُميَّ كلمة لأنَّ النَّاسَ يهتدونَ بهِ كما يهتدونَ بكلامِ اللهِ تعالى. وقالَ أبو عبيدٍ: معنى { ... بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ... } بكتابٍ من اللهِ. قالَ: والعربُ تقولُ أنشَدَني كَلِمةً , أي قصيدة، كما رُويَ أنَّ الحويدرةَ [4] ذُكِرَ لحسَّان فقالَ:
(1) سورة آل عمران , الآية: 45
(2) صحيح مسلم , باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه , 4/ 2036 حديث رقم 2643.
(3) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 245 - 246.
(4) الحويدرة تصغير الحادرة , وهو لقب غلب عليه , واسمه قطبة بن محصن بن جرول. ويعني حسان بن ثابت رضي الله عنه , قصيدة الحويدرة التي مطلعها:
بَكَرتْ سُمَيّةُ بُكرةً فتمتَّعِي ... وغدتْ غُدُوَّ مُفَارقٍ لم يَرْبَعِ