قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [1] .
تقدَّمَ في الآيةِ السابقةِ أنَّ من صفاتِ اللهَ جلَّ جلالهُ الحياةُ و القيّوميّةُ الكاملتانِ , وهو سبحانهُ الخالقُ المصوِّرُ , الذي خلقَ خلقهُ وصوّرهم بكيفيّة اختارها لهم , عن حكمةٍ وعلمٍ , وجعلَ لكُّلِّ خلقٍ صورةً تناسبُ ما كُلِّفوا به وما سُخِّروا له , فقال سبحانه: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [2] , وقد أحسنَ اللهُ صورةَ بني البشرِ وجعلهُ في أحسنِ تقويمٍ , قال تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [3] , وممن خُلِقَ وصوِّرَ في رحمِ أمّهِ , عيسى عليه ِ السلامُ - وإن كانَ أصلُ تخلُّقِهِ على غيرِ عادة - ولهذا استشفّ ابن عاشورٍ من هذه الآيةِ ردًّا على النّصارى الذينَ يؤلّهونهُ.
فقالَ رحمه الله معلِّقًا عند هذه الآيةِ الكريمةِ:] استئنافٌ ثانٍ يبيِّنُ شيئًا من معنى القيّوميّة، فهو كبدلِ البعضِ من الكُلِّ، وخُصَّ من بينِ شؤونِ القيّوميّة تصويرُ البشرِ لأنَّه من أعجِبَ مظاهرِ القُدرةِ ولأنَّ فيهِ تعريضًا بالردِّ على النَّصارى في اعتقادِهم إلاهيَّةِ عيسى من أجلِ أنَّ اللهَ صوَّرهُ بكيفيِّةٍ غير معتادةٍ فبيَّن لهم أنَّ الكيفيّات العارضةَ للموجوداتِ كُلّها من صُنعِ اللهِ وتصويرهِ: سواءً المعتاد، وغير المعتاد. و] كيف [هنا ليسَ فيها معنى الاستفهامِ، بل هيَ دالّةٌ على مجرّدِ معنى الكيفيَّةِ أي الحالةِ، فهيَ هنا مستعملةٌ في أصلِها الموضوعةِ له في اللغةِ إذ لاريبَ في أنَّ] كيف[مشتملةٌ على حروف مادةِ الكيفيَّة والتكيَّف، وهو الحالةُ والهيئةُ، وإن كانَ الأكثرُ في الاستعمالِ أن تكونَ اسم استفهامٍ ... [.
وقالَ:]... ودلَّ تعريفُ الجزأينِ على قصْرِ صفةِ التصويرِ عليه تعالى وهوَ قصْرٌ حقيقيٌّ لأنَّه كذلكَ في الواقعِ إذ هوَ مكِّونُ أسبابِ ذلكَ التصوير , وهذا إيماءٌ إلى كشفِ شُبهةِ النَّصارى إذ توهموا أنَّ تخلُّقَ عيسى
(1) سورة آل عمران , الآية: 6
(2) سورة النور , من الآية: 45
(3) سورة التين , الآية: 4