فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 129

المبحث الثالث عشر: الإسلامُ هوَ مِلَّة إبراهِيمَ عليهِ وعلى نبيِّنا الصِّلاةُ والسلام.

قالَ تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [1] .

نداءٌ يتبعهُ سؤالٌ استنكاريٌّ لأهلِ الكتابِ الذينَ حاجّوا رسولَ الله صلّى الله عليهِ وسلَّم في إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلام , وليسَ عندهم مستندٌ يستندون إليهِ في محاججتهم تلك , فاليهود والنّصارى أُنزلت كتبهم بعدَ إبراهيم , فأنّى لهم العلم الكافي والدالِّ على قولهم بأنَّ الإسلامَ زادَ عمَّا جاء بهِ إبراهيم , ولابن عاشورٍ رحمه الله إيرادٌ جميلٌ فيهِ دحضٌ لهذهِ الشبهةِ.

فقالَ رحمه الله: [ومناسبةُ الانتقالِ من الكلامِ السابقِ إلى هذا الكلامِ نشَأت من قولهِ {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} لأنَّه قد شاعَ فيما نزلَ من القرآنِ في مكةَ، وبعدها أنَّ الإسلامَ الذي جاءَ به محمدٌ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ يرجعُ إلى الحنيفية دينُ إبراهيم .... وقد اشتهرَ هذا وأُعلنَ بينَ المشركينَ في مكةَ، وبينَ اليهودِ في المدينةِ، وبينَ النَّصارى في وفدِ نجرانَ، وقد عُلِمَ أنَّ المشركينَ بمكةَ كانوا يدَّعونَ أنَّهم ورثةُ شريعةِ إبراهيمَ وسدنةُ بيتهِ، وكانَ أهلُ الكتابِ قد ادَّعوا أنَّهم على دينِ إبراهيمَ، ولم يتبيَّن لي أكانّ ذلكَ منهم ادَّعاءًا قديمًا أم كانوا قد تفطَّنوا إليهِ من دعوةِ محمدً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فاستيقظوا لتقليدهِ في ذلكَ، أم كانوا قالوا ذلكَ على وجهِ الإفحامِ للرسولِ حينَ حاجَّهم بأنَّ دينَه هوَ الحقُّ، وأنَّ الدينَ عندَ اللهِ الإسلام , فألجئوه إلى أحدِ أمرينِ: إمَّا أن تكونَ الزيادةُ على دينِ إبراهيمَ غيرَ مخرجةٍ عن اتِّباعهِ، فهوَ مُشترك الإلزامِ في دينِ اليهوديِّةِ والنَّصرانيِّةِ، وإمَّا أن تكونَ مخرجةً عن دينِ إبراهيمَ فلا يكونُ الإسلامُ تابعًا لدينِ إبراهيمَ , وأحسبُ أنَّ ادِّعاءَهم أنَّهم على ملةِ إبراهيمَ إنمَّا انتحلوهُ لبثِّ كلٍّ من الفريقينِ الدعوةَ إلى دينهِ بينَ العربِ، ولا سيما النَّصرانيِّة، فإنَّ دُعاتَها كانوا يحاولونَ انتشارَها بينَ العربِ فلا يجدونَ شيئًا يروجُ عندَهم سوى أن يقولوا: إنَّها ملَّة إبراهيم، ومن أجلِ ذلكَ اتُّبِعتْ في بعضِ قبائلِ العربِ] .

وقالَ: [وقولهُ: {وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} يكونُ على حسبِ الروايةِ الأولى منعًا لقولِهم: فقد زدتَ فيهِ ما ليسَ منه. المقصودُ منه إبطالُ أن يكونَ الإسلامُ هوَ دينُ إبراهيم. وتفصيلُ هذا المنع: إنَّكم لا قِبَلَ لكم بمعرفةِ دينِ إبراهيم، فمن أينَ لكم أنَّ الإسلامَ زادَ فيما جاءَ بهِ على دينِ إبراهيم، فإنَّكم

(1) سورة آل عمران , الآية: 65

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت